حين سقطت بغداد في 9 نيسان 2003، كان الكورد أول من مد يد العون للعراقيين، ليتم إحيائها من جديد، وقرر الكورد بعد أن كانوا يتمتعون بإدارة ذاتية منذ 1992 حين سحبت الحكومة العراقية إدارتها من الإقليم، إجراء أول انتخابات في كوردستان، وتمخض عنها برلمان وحكومة لإقليم كوردستان.
ولكن بعد سقوط بغداد قرر الكورد الرجوع إلى بغداد لبناء عراق جديد يكون على أساس القيم والمبادئ الديمقراطية، وعلى أساس المواطنه، وشعر الكورد لأول مرة بعراقيتهم وانتمائهم لهذا الوطن، ولكن سرعان ما استيقظ الكورد من هذا الحلم الذي يعيشونه، حين ذهب حكام العراق الجدد والمتمثلين بالأحزاب الشيعية، وخاصة حزب الدعوة ورئيسه نوري المالكي، وجر العراق والعراقيين إلى الطائفية المقيته، ليتمكن من خلالها نهب ثروات العراق، والسيطرة على جميع مفاصل الدولة، والاستبداد بالسلطة، وجر البلاد إلى الهاوية.
كان هدف الكورد حين قرروا الرجوع إلى بغداد هو بناء عراق جديد يشعر فيه الكوردي والعربي والتركماني والمسيحي وجميع المكونات بوجودهم، وكان أيضاً استجابة لأصدقائهم من الأمريكان و الأوروبيين، وحتى العرب والدول الإقليمية الذين كانوا حريصين على وحدة العراق، ووعدوا الكورد بأن حقوقهم ستكون مضمونة في العراق الجديد.
وفعلاً عاد الكورد إلى بغداد وشاركوا بفعالية من أجل إحياء العراق، وشاركوا في وضع الدستور العراقي الدائم في 2005، كما شاركوا في العملية السياسية، ولكن بعد مرور أكثر من ثلاث عشرة سنة على تحرير العراق، تبين لهم أنه من الصعب البقاء في عراق ليس فيه شراكة سياسية حقيقية، وأن هناك أناساً اصبحوا يسيطرون على مفاصل الدولة، حتى وصل الأمر إلى قطع القوت والمعاش عن إقليم كوردستان، مع كل هذا وذاك تحمل الكورد حتى هذه اللحظة كل هذه الأمور، وذلك ظناً منهم أن القادة في بغداد قد يتراجعوا عن سياساتهم العنصرية ضد الإقليم.
وكان هدف رجوع الكورد إلى بغداد ومحاولاتهم للوصول إلى حل للقضايا العالقة بين الإقليم وبغداد هو لإسكات الأصوات التي كانت تنادي داخل الإقليم بأن الرجوع إلى بغداد هو الحل للمشاكل التي يعاني منها الإقليم، وكذلك إرضاء لأصدقائهم الذين كانوا دائما ينصحون الكورد بالرجوع إلى بغداد، ومع ذلك أصرتبغداد على سياساتها مع الكورد، ولم تبدي أية مرونه في ذلك.
لذا اعتقد أن ما يحدث في بغداد اليوم هو رسالة إلى الكل، بأن العراق هو ليس العراق المنشود الذي كنا نطمح أن يكون، ولم يعد مكاناً للتعايش بين مكوناته، وأن حزب الدعوة جر البلد إلى مستنقع مظلم يصعب الخروج منه، وحتى أصدقاء الكورد من الأمريكيين والأوربيين أدركوا هذه الحقيقة، ولهذا أعتقد أنه حان الوقت للكورد لكي يعودوا من بغداد.
وأنصح القيادات الكوردية للعمل وبأسرع وقت ممكن من أجل تنظيم الاستفتاء وعدم الإصغاء إلى الأصوات التي تقول إنه يجب العمل أولاً على ترتيب البيت الكوردي، وأن الوقت غير مناسب للإستفاء، أقول لهم إن التجارب أثبتت أن أفضل وقت لإعلان الدول هو في أوقات الحروب، وحين تكون المنطقة غير مستقرة، لذا فإن اليوم هو أفضل وقت لإجراء الاستفتاء وإعلان الدولة، أما من يقول إن كوردستان ليست لديها مقومات الدولة، فأقول لهم حين انفصلت جنوب السودان عن السودان لم يكن لديهم أبسط مقومات الدولة، وكانت وما زالت جنوب السودان مجتمعاً غير متماسك وقبلي، ولا وجود لمؤسسات المجتمع المدني، بينما كوردستان لها كيان سياسي شبه مستقل منذ 1992، وقد أثتبتت أنها عامل استقرار في المنطقة وليس العكس، وقد لمس دول الجوار هذا الشيء، لذا فأن انطباعات دول الجوار قد تغييرت عن كوردستان في الآونة الأخيرة، وينظرون إلى كوردستان نظرة إيجاببية.
وأخيراً أقول للقيادات الكوردية حان الوقت لنترك بغداد، ولا تترددوا في إجراء الاستفتاء واعلان الدولة، واعلموا أن الحقوق تؤخذ ولا تُمنح، لذا بادروا إلى هذه الخطوة وسيسدد الله خطاكم، ونحن معكم يداً بيد، وليحفظ الله كوردستاننا دولة مستقلة آمنة مطمئنة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية

.webp&w=3840&q=75)

