رووداو ديجيتال
مع اقتراب انتهاء المهلة الزمنية المحددة لإعادة فرض العقوبات الأممية على طهران، في خطوة قد تُعيد عقارب الساعة إلى ما قبل الاتفاق النووي المُوقّع عام 2015، تشهد الساحة الدولية تصاعدًا متزايدًا للتوترات المرتبطة ببرنامج إيران النووي.
ففي السادس والعشرين من أيلول 2025، فشل مجلس الأمن الدولي في تبني مشروع قرار روسي-صيني يهدف إلى تأجيل إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران. إذ حصل المشروع على أربعة أصوات مؤيدة فقط من أصل 15 عضوًا، بينما عارضته تسع دول وامتنعت دولتان عن التصويت، مما يمهد الطريق لاستئناف العقوبات اعتبارًا من مساء اليوم السبت السابع والعشرين من أيلول 2025.
وفي تغريدة على موقع X، تساءل محمد صدقيان رئيس المركز الإيراني للدراسات العربية في طهران عن معنى عدم تجديد القرار 2231 ، معربا عن مخاوفه بإعادة تفعيل ست قرارات بما فيها وضع إيران تحت طائلة البند السابع والذي يعني أن مجلس الأمن يعترف بوجود تهديد خطير أو عمل عدواني، ويمنحه صلاحية اتخاذ إجراءات قسرية – بما في ذلك استخدام القوة العسكرية – للحفاظ على السلام والأمن الدوليين.
- القرار 2231
بحسب موقع الأمم المتحدة" صدر عن مجلس الأمن الدولي في عام 2015، حدد شروطًا لتنفيذ الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، ويشمل رفع العقوبات المفروضة على إيران بشرط امتثالها للضوابط النووية المفروضة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
يطالب القرار إيران بتقييد أنشطتها النووية لمدة 15 عامًا في مجالات تخصيب اليورانيوم وإنتاج المواد النووية الحساسة. كما يسمح القرار بإجراء اختبارات وتقارير دورية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع وضع إطار قانوني دولي لضمان عدم استخدام الأنشطة النووية لأغراض عسكرية.
-ما ستواجهه إيران فور انتهاء العمل بالقرار 2231
1-انتهاء العمل بالاتفاق النووي دون رجعة
2-انتهاء العمل باتفاق القاهرة الذي وقع بين ايران والوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي نص على التعاون بين الجانبين والسماح لفرق التفتيش تفقد المنشآت النووية بعد العدوان الاسرائيلي
وتأتي هذه التطورات بعد اتهام الترويكا الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) لإيران بانتهاك اتفاق 2015 الذي يهدف إلى منع تطوير سلاح نووي. من جهتها، نفت إيران سعيها لامتلاك هذا النوع من الأسلحة.
في أعقاب هذا الفشل، استدعت إيران سفراءها لدى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للتشاور بشأن الخلافات المرتبطة بآلية إعادة فرض العقوبات. كما حمّل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال جلسة مجلس الأمن، الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن فشل المسار الدبلوماسي في المحادثات النووية، محذرًا من "عواقب وخيمة" جراء ذلك.
يُذكر أن الترويكا الأوروبية قد عرضت تأجيل إعادة فرض العقوبات لمدة ستة أشهر بشرط أن تتعاون إيران مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتلتزم بمعالجة المخاوف المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، والانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، لم تُثمر هذه المفاوضات في كسر الجمود القائم. وحتى الآن، تظل تفاصيل بعض كميات اليورانيوم المخصب، خاصة تلك التي تمت معالجتها إلى درجات تخصيب عالية قد تصل إلى 60%، غامضة بحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يثير المزيد من التساؤلات حول مصيرها وسلامتها
- العملية القانونية لإعادة فرض العقوبات
في آب 2025، أعلنت الدول الأوروبية عن بدء عملية مدتها 30 يومًا لإعادة تفعيل العقوبات الأممية، وهي المهلة التي تنتهي في 27 أيلول 2025. هذه الخطوة، المعروفة بآلية "سناب باك" أو الزناد، تسمح بإعادة فرض العقوبات الدولية بشكل تلقائي ما لم تتفق الدول الأعضاء في مجلس الأمن على عكس ذلك.
في نفس السياق، صعدت واشنطن من حملتها العقابية، حيث فرضت خلال الأسابيع الماضية حزمة عقوبات غير مسبوقة استهدفت أكثر من 50 فردًا وكيانًا إيرانيًا، إضافة إلى شبكة بحرية ضخمة تتعلق بنقل النفط الإيراني والروسي، والتي تدار من قبل عائلة شمخاني، والتي تملك علاقات وثيقة بمرشد الجمهورية علي خامنئي.
هذه الإجراءات تأتي في إطار استراتيجية دولية لشل قدرة إيران على تمويل أنشطتها النووية والعسكرية، خاصة عبر السيطرة على موارد النفط والعائدات المالية التي تستخدم في تمويل برامجها.
- الخلفية الدولية للملف النووي الإيراني
في عام 2015 إبان ولاية الرئيس الأميركي "باراك أوباما"، توصلت إيران مع مجموعة "5+1" (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا) إلى اتفاق شامل يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الدولية التي كبدتها خسائر اقتصادية كبيرة. ومع تولي ترامب ولايته الأولى في 2018، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق وأعادت فرض عقوبات قاسية، ما دفع إيران تدريجيًا لتقليل التزامها ببنود الاتفاق.
تداعيات ذلك وصلت إلى حد استنفار الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) لإعادة تفعيل
"آلية الزناد" التي تسمح بإعادة فرض العقوبات الأممية، في حال رصدت خروقات إيرانية جوهرية للاتفاق.
- المواقف الإيرانية الرسمية
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حذر من خطورة تفعيل آلية الزناد، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستلقي بظلالها على العلاقات الدولية وستضر بمصداقية ومكانة الدول الأوروبية على الساحة العالمية. كما شدد على تمسك إيران بحل الأزمة عبر التفاوض والتوصل إلى "اتفاق جديد وعادل" يأخذ في الاعتبار المخاوف المتبادلة ويزيل العقوبات الاقتصادية التي يصفها بـ "الظالمة".
في الوقت نفسه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان أن بلاده ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي، معربًا عن استعداد طهران لمواصلة الحوار بشرط احترام حقوقها الدولية والالتزام بعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
- مواقف دولية متباينة
في مجلس الأمن الدولي، تقدم الروس والصينيون بمشروع قرار يقضي بتأجيل إعادة فرض العقوبات لمدة 6 أشهر، في محاولة لتجنب تصعيد جديد في الشرق الأوسط، وخاصة في ظل التقلبات الجيوسياسية العالمية الحالية.
لكن المشروع لم يحظ بالدعم الكافي وسط معارضة قوية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، التي اعتبرت أن تأجيل العقوبات سيمنح إيران فرصة لمزيد من التمادي في أنشطتها النووية، مما يعرض الأمن الدولي للخطر.
وقد أدى ذلك إلى تعثر الجهود الدولية لإيجاد حل دبلوماسي شامل، وفتح الباب أمام فرض العقوبات مجددًا، وهو ما يعني احتمالية تصاعد التوترات في المنطقة وعودة موجات من التوترات الاقتصادية والسياسية التي قد تؤثر على أسواق الطاقة العالمية.
- التبعات المحتملة لإعادة فرض العقوبات
إعادة فرض العقوبات على إيران ستؤدي إلى عزل اقتصادي أكبر، خاصة في قطاعات النفط والتمويل. وقد تشهد إيران انكماشًا اقتصاديًا حادًا، مما قد يدفعها إلى زيادة اعتمادها على الصين وروسيا لتعويض الخسائر.
على الصعيد الأمني، هناك مخاوف من تصعيد عسكري محتمل في منطقة الخليج، خاصة مع التوترات القائمة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
مع قرب انتهاء المهلة المحددة، يقف المجتمع الدولي على مفترق طرق حاسم في ملف البرنامج النووي الإيراني. بين مواصلة الضغوط بالعقوبات أو البحث عن حل تفاوضي.
- العقوبات على إيران وبرنامجها النووي.. نبذة تاريخية
1. تاريخ الملف النووي الإيراني
- بدأت إيران برنامجها النووي في السبعينيات بدعم من الولايات المتحدة، لكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979، أصبح البرنامج محاطًا بشكوك دولية بشأن نوايا طهران الحقيقية، خصوصًا في ظل تقارير عن تطوير قدرات عسكرية نووية.
- في 2002، أعلنت مجموعات معارضة إيرانية عن وجود منشآت نووية سرية في إيران، مما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقيق ورفع تقارير متكررة لمجلس الأمن تؤكد وجود مخالفات وتباطؤ في التعاون الإيراني.
هذا الأمر دفع مجلس الأمن إلى فرض أولى جولات العقوبات الاقتصادية والسياسية على إيران بداية من 2006، ومن ثم تصاعدت العقوبات حتى عام 2015.
2. اتفاقية عام 2015 (JCPOA)
في 2015، تم التوصل إلى اتفاقية شاملة بين إيران والدول الكبرى (5+1) تسمى "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA)، التي فرضت قيودًا صارمة على برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الدولية.
ومن أبرز بنود الاتفاق:
- تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي ومنع إنتاج اليورانيوم المخصب فوق مستوى معين.
- تفتيش دوري وشامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- رفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا لتحسين اقتصاد إيران.
3. الانسحاب الأميركي وإعادة فرض العقوبات (2018)
في أيار 2018، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاقية تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، وبدأت في إعادة فرض عقوبات اقتصادية صارمة شملت قطاعات النفط، البنوك، والشحن البحري.
إيران ردت بخفض التزاماتها تدريجياً بالاتفاق، ما أدى إلى توتر كبير واحتدام الأزمة.
4. آلية الزناد "سناب باك" (Snapback)
هذه الآلية هي بند في اتفاق JCPOA يسمح لأي طرف بإعادة فرض العقوبات الأممية تلقائيًا إذا اعتبر أن إيران انتهكت الاتفاق.
تم تفعيل هذه الآلية في أواخر 2025 من قبل الترويكا الأوروبية، وسط اتهامات لإيران بخرق بنود الاتفاق من خلال زيادة تخصيب اليورانيوم، والتباطؤ في التعاون مع الوكالة الدولية.



