مع انطلاق الحملة الانتخابية في العراق في أيلول من هذا العام، انطلقت مع فريق من شبكة رووداو الإعلامية نحو بغداد. كان هدفنا تسجيل برنامج خاص عن الانتخابات النيابية العراقية، نركز فيه تحديداً على الشباب الذين يحق لهم التصويت لأول مرة. أرادت رووداو التعرف على وجهة نظر الجيل الجديد من الانتخابات وكيف يختارون مرشحيهم.
عندما وصلنا إلى بغداد، أول مشهد تلقانا كان: شوارع متهالكة، فوضى لا حدود لها، قمامة ونفايات متراكمة. أحد زملائي الذي كان يزور بغداد للمرة الأولى، قال مصدوماً: "أهذه هي بغداد التي نسمع عنها؟".
أنا من مواليد مدينة الصدر في بغداد، لكن عدم استقرار الوضع هناك دفعنا للانتقال إلى إقليم كوردستان منذ 2007. ما أرويه هنا، لا زيادة عليه ولا نقصان. صحيح أني زرت بيت عمي في 2023، لكنني لم أختلط حينها بالشارع والحياة العامة. هذه المرة كانت مختلفة.
استياء وسوق لبيع الأصوات في بغداد
ما لاحظته هذه المرة في معظم الأماكن العامة كان استياء عميقاً من جانب المواطنين تجاه العملية الانتخابية. كان هذا المشهد إشارة واضحة إلى تلاشي الأمل في التغيير عبر صناديق الاقتراع.
ثلاث فئات من الناخبين في العاصمة
الأقلية الناخبة: هؤلاء هم الذين يريدون التصويت. معظم الشباب لا يعرفون بالتحديد لماذا يصوتون؛ بعضهم يريد فقط اختبار العملية، والبعض الآخر يقول "نصوت من أجل توفير فرص عمل".
المقاطعون الصدريون: أتباع التيار الصدري الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "مقاطعون". شبابهم لا يفهم لماذا لا يصوتون، ولديهم إجابة واحدة فقط: "نفعل ما يقوله القائد". حتى اليافعين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عاماً تم تلقينهم هذه العبارة. أعدادهم كبيرة حقاً.
اليائسون: هؤلاء أغلبية تعتقد أن التصويت لن يغير شيئاً في أوضاعهم وعاصمتهم، ولهذا لا يشاركون.
سوق الشورجة وأسعار الأصوات
ليس بيع وشراء الأصوات في العراق بالأمر الغريب، لكن المشهد في بغداد كان علنياً أكثر. في سوق الشورجة الكبير، وهو سوق جملة، عندما سألت الشباب: "هل حقاً تباع وتشترى الأصوات؟"، كانوا يجيبون غاضبين: "لماذا تطرحين هذا السؤال؟ من في العراق اليوم لا يبيع ويشتري الأصوات؟".
تنوعت الإجابات بخصوص الأسباب والأسعار:
"- أبيع صوتي بخمسين ألفاً، هذا أفضل من انتخابات لا فائدة منها".
"- بعت صوتي بـ150 ألفاً ودفعت إيجار منزلي".
- أخبرني زميلي المصور أن أحدهم قال له: "بعت صوتي لإصلاح إطار سيارتي".
غطاء الرأس الإجباري
تجربتي في النجف كانت أشبه بمشهد من فيلم، وليس من الواقع. فرغم أني كنت أرتدي قميصاً أسود يغطي جسدي كنوع من الاحترام للثقافة السائدة في المدينة، لكن وبينما كنت مع فريقنا في شارع عام، دخلنا في سجال شديد من رجل وامرأة، لمجرد أنني لم أكن أغطي شعر رأسي. كانا يصرخان بحماس ديني. تظاهرت بأنني لا أفهم ما يقولان، لكنني كنت أفهم كل كلمة يقولانها.
اضطررت للانتظار تحت شجرة حتى يشتري لي أحد زملائي غطاء رأس. لكن قبل عودته، جاء شرطي وقال إن الناس اشتكوا من وجود فتاة محسورة الرأس. قلت له إنني في شارع عام وليس في ضريح، لماذا يجب أن أرتديه؟ قال بحدة: "يجب أن ترتديه".
كصحفية، يجب أن تكون لدي أدلة، لكنني أظن أن عيني هي أفضل دليل. في تلك المدينة "المقدسة"، كان يوجد الكثير من الفرس والزوار الإيرانيين.
لكي نسجل برنامجنا بحرية، ذهبنا إلى كافتيريا مغلقة. هناك أيضاً طلبوا مني تغطية رأسي. عندما رفضت، حصلت على إجابة لسؤالي. قال لي شاب يعمل هناك: "صدر قرار جديد من الأمن السياحي، يوجب على كل من تأتي إلى أرض النجف أن تغطي رأسها".
بعد مشادة طويلة، وبحجة أن قناتنا لا تبث في النجف، سمحوا لنا بالعمل. لم يكونوا يكتفون بالمطالبة بتغطية الرأس، بل كانوا يطلبون أيضاً ارتداء العباءة السوداء، وهو ما لم أكن مستعدة لارتدائه. مع أنني فتاة مؤمنة، لكنني لم أقبل أبداً الرضوخ للإكراه.
بجانبي كان هناك حفل عيد ميلاد وموسيقى. قلت مازحة: "أليست الموسيقى من المحرمات؟ أم أن شعري فقط هو المحرم هنا؟".
الفلوجة: إشارات مرورية بلا مشاكل
لا أريد أن يبدو الأمر وكأنني منحازة للسنة، لكن لكي تعرف مدى اختلاف المحافظات السنية، يكفي المرور بها مرة واحدة. شوارعها نظيفة، الإشارات المرورية فيها تعمل بلا مشاكل، ولم نواجه أي مشكلة مع الأهالي.
كوردستان: نعمة في خضم واقع قاسٍ
رغم أن بغداد هي المدينة التي ولدت فيها ولي فيها ذكريات جميلة، إلا أنني مع توجهنا نحو أربيل حمدت الله على أني أعيش في إقليم كوردستان.
صحيح أن الناس في الإقليم مستاؤون من بعض المسؤولين، وأنا مع الموظف الذي يقول "كيف أعيش إذا لم أقبض راتبي ثلاثة أشهر؟" وذلك الشاب الذي يقول "لا أجد عملاً". أخوتي وأقاربي أيضاً جزء من هذه الفئة، لكن بالمقارنة مع محافظات العراق الأخرى، نحن في نعمة كبيرة.
