"لو تُرِك لي الخيار بين أن تكون لدينا حكومة بلا صحف، أو صحف بلا حكومة، فلن أتردد لحظة في اختيار الخيار الثاني".
– توماس جيفرسون، فيلسوف سياسي وثالث رئيس للولايات المتحدة.
قبل أكثر من قرنين من الزمان، طرح توماس جيفرسون فكرة لا تزال حتى اليوم تتمتع بنفس القدر من الأهمية والصحة: فبدون إعلام حر ومستقل، لا يمكن لمجتمع حر أن يوجد.
إن الديمقراطية لا تعتمد فقط على الانتخابات، أو البرلمان، أو مؤسسات الدولة؛ بل تعتمد على مواطنين واعين يمتلكون إمكانية الوصول إلى معلومات موثوقة، ليتمكنوا من خلالها من تقييم التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بشكل نقدي ومسؤول.
في مرحلة تنتشر فيها المعلومات المضللة، والاستقطاب السياسي، والتضليل الرقمي في جميع أنحاء العالم، أصبح وجود صحافة موثوقة الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالصحافة الموثوقة هي إحدى الركائز الأساسية للوئام الاجتماعي، والاستقرار الديمقراطي، والحوار العام المستنير.
وبالنسبة للشعب الكوردي، تحمل هذه الرؤية أهمية خاصة. إن تاريخ الإعلام الكوردي لم يبدأ بالإنترنت، أو بمواقع التواصل الاجتماعي، أو بالقنوات الفضائية. فمنذ عام 1898، صدرت أول صحيفة كوردية باسم (كوردستان) على يد مقداد مدحت بدرخان في المنفى بالقاهرة. لقد كان ذلك المشروع أكثر من مجرد عمل صحفي؛ بل كان انعكاساً للرغبة في التعليم، والحفاظ على الثقافة، والتنوير العام.
وفي العقود التالية، ظهرت العديد من الصحف والمجلات الكوردية. وأصبحت مطبوعات مثل (هاوار، روناهي، ژين، صوت كوردستان، روج كورد، راديو يريفان... إلخ) منصات مهمة للغة والأدب والعلوم والحوار المجتمعي. لقد ظهر معظمها في ظل ظروف سياسية قاسية؛ فبعضها تَعرض للمنع، والبعض الآخر واجه رؤساء تحريرها الاضطهاد أو النفي واضطروا لمغادرة الوطن. ومع ذلك، كان الجميع يجمعهم إيمان مشترك: أن المعرفة تخلق الوعي، والوعي يقوي المجتمع.
تأسيس قناة ميد تي في (Med TV) في تسعينيات القرن الماضي 1995)) صفحةً جديدة في تاريخ الإعلام الكوردي. فللمرة الأولى، تمكن ملايين الكورد من داخل جميع الدول من الوصول إلى المعلومات بلغتهم الأم، وبدأ أفق مشترك للرأي العام باللغة الكوردية في الظهور. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإعلام أكثر من مجرد مصدر للأخبار؛ بل تحول إلى أداة للهوية الثقافية، والحوار المجتمعي ، والتواصل القومي.
وقد اخذت (رووداو) مكانتها ضمن هذا المسار التاريخي، وفي الوقت ذاته، نقلت الصحافة الكوردية إلى حقبة جديدة.
ففي غضون 13 عاماً فقط، أصبحت (رووداو) واحدة من أكثر الشبكات الإعلامية تأثيراً في المنطقة. بدأت شبكة رووداو الاعلامية كمشروع كبير مفعم بالأمل، وهي الآن المصدر الرئيسي للمعلومات لملايين الأشخاص في جميع أجزاء كوردستان. كما أن المؤسسات الإعلامية الدولية مثلCNN، وBBC، ورويترز، وأسوشيتد برس، وغيرها الكثير، تعتمد باستمرار على تغطية ومعلومات رووداو. هذه السمعة وهذا الاحترام لم يأتيا كمنحة، بل أُنجزا من خلال العمل المهني، واكتساب الثقة، والمثابرة.
ومع ذلك، فإن أهمية رووداو كبيرة لدرجة أنها تتجاوز حدود رسالتها ونجاحاتها الخاصة.
فمن خلال مبادئها المهنية، أصبحت رووداو معياراً ومقياساً للمشهد الإعلامي بأكمله في كوردستان. إن أي مؤسسة إعلامية قوية تضع مجموعة من المعايير التي تصبح بمثابة تحدٍ للآخرين ليدفعوا بأنفسهم نحو التطور. وهذا بدوره يشكل حافزاً لتغطية أكثر دقة، واستقلالية أكبر، والتزام أقوى بإظهار التنوع المجتمعي.
إن وجود أفق ديمقراطي عام لا يتحقق بوجود صوت واحد، بل يتحقق من خلال تعددية أصوات موثوقة. لذلك، فإن التعددية الإعلامية لا تشكل تهديداً للصحافة الناجحة، بل هي أحد مكملاتها الضرورية. إن الرؤى الصحفية المختلفة، والآراء السياسية، والمواقف الاجتماعية، تعزز الحوار داخل الرأي العام وتكون حافزاً للنضج الديمقراطي للمجتمع.
إن وضع الإعلام وتعدديته يمثلان معياراً مهماً لتقييم جودة أي ديمقراطية. فالإعلام، إلى حد كبير، هو المحرك الأساسي لمعلومات المواطنين والرأي العام. لهذا السبب، من الضروري جداً حماية حرية الصحافة، وضمان الشفافية في المؤسسات والمواقع الإعلامية، وتهيئة الظروف للصحفيين لكي يتمكنوا من أداء عملهم بإنصاف وأمان، ومواجهة الدعاية والتبعية السياسية والفساد الموجود داخل قطاع الإعلام.
وفي الوقت ذاته، لا ينبغي لنا أن ننسى الظروف التي تعمل في ظلها المؤسسات الإعلامية في الشرق الأوسط والعراق؛ إذ لا تزال المنطقة بعيدة جداً عن تحقيق حرية الصحافة الكاملة. فغالباً ما يعمل الصحفيون تحت ضغوط سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية.
ولا يزال الترهيب، والقيود القانونية، والتدخل السياسي، وغياب الاستقلال المالي، والتهديدات الأمنية، جزءاً من الواقع اليومي للعديد من المهنيين في مجال الإعلام. وكوردستان ليست بمنأى عن هذه التحديات. فبالرغم من أن المشهد الإعلامي قد شهد نمواً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، إلا أن العديد من المؤسسات لا تزال تواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية واجتماعية. فالصحافة المستقلة لا تزال هدفاً لنضال يومي وليست وضعاً مستقراً وثابتاً.
وبالنظر إلى كل هذه الحقائق، تزداد أهمية عمل (رووداو) أكثر فأكثر. إن القيمة الحقيقية لحرية الصحافة لا تظهر في أوقات الرضا والثناء، بل تبرز في أوقات الضغط. فحريّة الصحافة تثبت نفسها عندما يستمر الصحفيون -رغم العوائق والانتقادات- في التقصي والمتابعة، وعرض وجهات النظر المختلفة، وتوفير مساحة للحوار المجتمعي. لقد واجهت رووداو نفسها مراراً ضغوطاً سياسية، وانتقادات عامة، وتحديات اقتصادية، واستقطاباً اجتماعياً؛ لذا فإن التزامها بالمعايير المهنية، والتغطية الموضوعية، واستقلالية كُتّابها، يكتسب أهمية بالغة.
في النضال من أجل حرية الإعلام، لا يوجد أبداً نصرٌ نهائي ومطلق؛ بل يجب على كل جيل أن يدافع عنها من جديد. هذا النضال ليس ضد تدخل الدولة فحسب، بل هو نضال ضد الاستقطاب، وضد الدعاية (البروباغندا)، وضد التبعية الاقتصادية، وضد أولئك الذين يحاولون تحويل الإعلام إلى مجرد أداة سياسية.
وفي منطقة تعاني من الصراعات وعدم اليقين والمصالح المتضاربة، تعد الصحافة المستقلة ركيزة أساسية للاستقرار والحوار والتطور الديمقراطي.
إن المجتمع الحر بحاجة إلى إعلام مستقل، لكنه بحاجة أيضاً إلى رأي عام واعٍ يكون مستعداً لقبول وجهات النظر المختلفة والتفكير بشكل نقدي. فالديمقراطية لا تنبثق من المؤسسات فحسب، بل تنمو في المكان الذي يمتلك فيه الناس حق الوصول إلى المعرفة، ويستطيعون فيه صياغة آرائهم الخاصة والمشاركة في الحياة العامة بناءً على معلومات موثوقة.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح (رووداو) ليس مجرد نجاح لمؤسسة إعلامية فحسب، بل هو انعكاس للرغبة المتنامية داخل المجتمع الكوردي في الوصول إلى صحافة مهنية، وتعددية إعلامية، وحوار عام ديمقراطي.
الثقة هي أثمن شيء في المجتمع الحديث
يحتاج الناس إلى مرشد؛ يحتاجون إلى فهم التطورات السياسية، وتفسير التغيرات الاجتماعية، واتخاذ القرارات بناءً على معلومات موثوقة. وعندما تُفقد الثقة في المعلومات، ينمو عدم اليقين وتنتشر الشائعات والتوترات الاجتماعية. إن انتشار الأخبار المزيفة في جميع أنحاء العالم يظهر مدى السرعة التي يمكن بها استبدال الحقائق بالعواطف، ونظريات المؤامرة، والمصالح السياسية.
لهذا السبب، فإن الإعلام هو أكثر بكثير من مجرد صناعة لإنتاج الأخبار. إن المؤسسات الإعلامية هي مؤسسات تعليمية وتربوية؛ فهي تحفز التفكير النقدي، وتخلق آفاقاً عامة للحوار، وتمهد الطريق لمشاركة المواطنين في المجال الاجتماعي، وتعزز الثقافة الديمقراطية. كما أنها تمنح الناس التوجيه والإرشاد الذي يحتاجون إليه لفهم هذا العالم المليء بالتعقيدات.
وبالنسبة للمجتمع الكوردي، يؤدي الإعلام دوراً إضافياً؛ فلعقود من الزمن، عاش الكورد في ظل أنظمة سياسية مختلفة، وأشكال متباينة من الحكم، وغالباً تحت توجهات قومية متصارعة. لذا، لعب الإعلام دور الجسر الذي يربط بين المناطق والأجيال والمجتمعات.
وخلال السنوات الـ 13 الماضية، لعبت (رووداو) دوراً مهماً في بناء هذه الجسور؛ حيث قامت بتوثيق الأحداث السياسية، وتسهيل الحوار داخل المجتمع، وتوفير المعلومات لملايين الأشخاص. وبهذا العمل، ساهمت في خلق رأي عام أكثر وعياً ومجتمع أكثر ثقة بنفسه.
وهذه الإنجازات لم تكن بلا ثمن. لقد قامت فرق (رووداو) الصحفية بالتغطية من جبهات القتال، ومخيمات النازحين، ومناطق الصراع والأزمات الإنسانية. وقد فقد بعضهم حياته أثناء أداء واجبه المهني. إن تضحياتهم تذكرنا بأن حرية الصحافة ليست مضمونة للأبد، بل يجب الدفاع عنها كل يوم، وغالباً في ظل ظروف تتطلب شجاعة فائقة، ونزاهة مهنية، وإخلاصاً كبيراً.
لذا، فإن قصة (رووداو) هي أكبر من مجرد قصة مؤسسة إعلامية؛ إنها في الوقت ذاته قصة مجتمع يسعى وراء المعرفة، والوضوح، والكرامة، وحق تقرير المصير. إن التعليم والديمقراطية وحرية الإعلام لا ينفصلون عن بعضهم البعض؛ فالمجتمع الديمقراطي بحاجة إلى مواطنين واعين، والمواطن الواعي بحاجة إلى معلومات موثوقة، والمعلومات الموثوقة تعتمد على إعلام مستقل.
تحديات المستقبل كبيرة؛ فالذكاء الاصطناعي، والتضليل الرقمي، والمعلومات التي تُدار عبر الخوارزميات، تغير طريقة تلقي الناس للأخبار. المعلومات تنتشر الآن بسرعة أكبر من ذي قبل، في وقت تتعرض فيه القدرة على التحقق من الحقائق لضغوط متزايدة. وهذا ما يجعل المؤسسات الصحفية الموثوقة أكثر أهمية؛ فهي تلتزم بالمبادئ الأساسية للصحافة: الحقيقة، التحقق، الوضوح، والمسؤولية أمام الجمهور.
بعد 13 عاماً، أصبحت (رووداو) شيئاً أكبر بكثير من مجرد شركة إعلامية؛ فقد أصبحت بالنسبة للكثيرين في كوردستان وخارجها مؤسسة موثوقة. وفي عصر يتصاعد فيه عدم اليقين، ربما يكون هذا هو أعظم إنجاز يمكن للصحافة أن تحققه.
المعلومات الصحيحة تصنع الأمان، والأمان يصنع الثقة.
والمجتمع الديمقراطي بحاجة إليهما معاً.
والمجتمع الكوردي بحاجة إليهما معاً أيضاً.
وبحاجة إلى تلك المؤسسات الإعلامية المستعدة للدفاع عن هذه القيم كل يوم.
استمري يا رووداو.
*البروفيسور د. يان إلهان كزلهان: هو عالم نفس وباحث كوردي مقيم في ألمانيا. خبير في مجالات الصدمات النفسية، الإرهاب، الحرب، وعلم النفس عبر الثقافات. نال وسام الاستحقاق الفيدرالي من قِبل رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية.
