رغم التوترات المستمرة في العلاقة بين بغداد وأربيل، والتي تصاعدت بعد استفتاء إقليم كوردستان في 25 ايلول من عام 2017، لايزال الإقليم يُظهر قدرة واضحة على الصمود والحفاظ على استقراره الداخلي. وتشمل هذه التوترات ملفات حساسة مثل تقاسم الإيرادات، وتوزيع الموازنة العامة، وملف المناطق المتنازع عليها، إلى جانب الخلافات المتعلقة بتصدير النفط.
وفي العام الأخير، واجه إقليم كوردستان ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة تأخير تحويل مستحقاته المالية من قبل الحكومة الاتحادية، مما تسبب في تحديات على مستوى صرف الرواتب وتقديم الخدمات. ورغم هذه الضغوط، أظهر إقليم كوردستان مرونة إدارية وقدرة تنظيمية واضحة مكنته من تجاوز العديد من الأزمات دون الانزلاق نحو الفوضى، مع حفاظ مؤسساته الأمنية والإدارية على تماسكها.
كما ساهمت خبرة حكومة إقليم كوردستان في إدارة الأزمات، وتنوع علاقاتها الإقليمية والدولية، في تعزيز موقعه السياسي والاقتصادي، مما جعله رقماً صعباً، وقادراً على التفاعل مع المتغيرات دون أن يفقد مركزه أو حضوره، فإن الإقليم لايزال متمسكاً بخيار الحوار والشراكة الدستورية.
رغم هذه الخلافات، استمر إقليم كوردستان في تصدير نفسه كمحطة فاعلة في المنطقة وجاذبة للاستثمار، مستفيداً من موقعه الجغرافي الحيوي، وبيئته الأمنية المستقرة، إلى جانب قوانينه المرنة التي تشجع رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وقد استطاع الإقليم، خلال السنوات الأخيرة، أن يجذب شركات دولية في قطاعات متعددة مثل الطاقة، الإسكان، الاتصالات، والسياحة، مع توسع ملحوظ في البنى التحتية والمناطق الصناعية والمائية .
كما أسهم الاستقرار السياسي النسبي، وانفتاح حكومة إقليم كوردستان على الشراكات الدولية، في ترسيخ صورة كوردستان كبيئة آمنة ومربحة للاستثمار، مما جعلها محطة للعديد من الوفود الاقتصادية والدبلوماسية التي ترى في أربيل بوابة للتعامل مع باقي مناطق الاقليم. كل ذلك يؤكد أن الإقليم لم يتراجع رغم التحديات، بل حافظ على موقعه ككيان قوي وفاعل، قادر على تعزيز دوره الاقتصادي والسياسي في الإطارين الوطني والإقليمي.
وعلى المستوى الأمني، حافظ إقليم كوردستان على ديمومة أمنه واستقرار أجهزته الاستخبارية، واستمر في أداء دور فاعل في حفظ الأمن الداخلي ومكافحة التهديدات الإرهابية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية معقدة ومحيط مضطرب. وقد تمكنت قوات الأسايش والبيشمركة من الحفاظ على جاهزيتها العالية، ومنع أي اختراقات أمنية كبيرة، مما عزز من ثقة السكان والمستثمرين بقدرة الإقليم على حماية أراضيه ومواطنيه.
كما نجحت سلطات إقليم كوردستان في فرض سيطرتها على الحدود والمنافذ الرسمية، ومنع استخدامها في أية أنشطة خارجة عن القانون، وهو ما جعل من كوردستان نموذجاً في الإدارة الأمنية والانضباط المؤسسي. بالإضافة إلى ذلك، يعكس التعاون الأمني المستمر بين الإقليم وشركائه تحديداً بغداد ودوره الحيوي في تعزيز الاستقرار في كوردستان والحد من انتقال التهديدات من وإلى داخل العراق.
إن هذا الثبات الأمني، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية، يعكس متانة مؤسسات الإقليم، وحرصه على حماية مكتسباته والحفاظ على نموذج الحكم المستقر الذي يتميز به عن باقي المناطق.
وفي السياق السياسي، يحرص إقليم كوردستان على ترسيخ شراكته الدستورية مع الحكومة الاتحادية في بغداد، باعتبارها الإطار الذي ينظم العلاقة بين الطرفين وفقاً للدستور العراقي النافذ. وينظر الإقليم إلى هذه الشراكة على أنها ليست مجرد ترتيبات إدارية أو تفاهمات مؤقتة، بل تمثل خياراً استراتيجياً لحماية وحدة العراق وضمان استقراره.
ويؤمن قادة الإقليم بأن استقرار كوردستان لا يمكن فصله عن استقرار بغداد، وأن مصير الطرفين مترابط ومتكامل، مما يستدعي تعزيز جسور التعاون وتغليب منطق الحوار لحل الخلافات. ومن هذا المنطلق، شارك إقليم كوردستان بفاعلية في العملية السياسية العراقية، وساهم في تشكيل الحكومات، ودعم المبادرات الوطنية الجامعة، إدراكاً منه أن قوة المركز تنعكس إيجاباً على الأطراف، والعكس صحيح.
إن هذا التوجه الواضح نحو الشراكة والتكامل، يعكس نضج التجربة السياسية في كوردستان، واستعداده الدائم للانخراط في أي جهد وطني يعزز استقرار العراق، ويخدم جميع مكوناته دون تمييز.
