الشعب الكوردي في سوريا ليس مجرد مكوّن طارئ أو أقلية مهاجرة كما يصوّره البعض، بل هو شعب أصيل، يعيش منذ آلاف السنين على أرضه التاريخية المعروفة بغرب كوردستان، الممتدة من عفرين غرباً إلى ديريك شرقاً على طول الحدود السورية التركية. في هذه الجغرافية لم يكن الشعب الكوردي يوماً هامشياً أو ضيفا على البلاد، بل هو شريك ومكوّن أصيل في تاريخها وتكوينها، جزء من نسيجها الاجتماعي والثقافي، شأنه شأن بقية مكونات الشعب السوري في كل بقعة ومنطقة من أرض سوريا.
في مرحلة ما بعد سقوط النظام، برزت من جديد لغة “الأكثريات والأقليات” التي روّج لها بعض من ورثوا خطاب البعث القومي، حتى وإن انقلبوا على النظام نفسه. هذه الفئة التي تحوّلت فجأة إلى معارضة، حملت معها ذهنية الإقصاء نفسها، وسعت إلى تصنيف المكونات السورية بمفاهيم تُستغل لحرمان بعضهم من الحقوق السياسية الكاملة، وعلى رأسهم الشعب الكوردي.
الكورد في سوريا هم ثاني أكبر قومية بعد العرب، ويتوزعون بين مناطق يشكّلون فيها غالبية عددية واضحة، مثل مدن وريف منطقتي عفرين وكوباني في محافظة حلب، ومدن وريف مناطق الجزيرة في محافظة الحسكة، وبين مدن ومحافظات أخرى يشكّلون فيها أقليات سكانية، مثل حلب، دمشق، حماة، حمص، الرقة، واللاذقية. إلا أن وصفهم بـ“الأقلية” لا يعكس حقيقتهم كأحد الأعمدة الأساسية في بنية الوطن، بل يُستخدم أحياناً لتبرير إقصائهم من مراكز القرار، أو التلكؤ في منحهم حقوقهم السياسية والثقافية.
من الضروري اليوم أن تتحلى السلطة السورية الانتقالية بالشجاعة السياسية، وأن تعترف بأن الدولة لن تكون مكتملة دون اعتراف دستوري بوجود وحقوق الشعب الكوردي في سوريا، وشراكة فعلية له في مؤسساتها وقراراتها. لا يكفي التلويح بالشعارات، والوعود المؤقتة، والحلول الترقيعية، بينما يتم تهميش الكورد أو إبقائهم في دور رمزي كـ”ديكور” سياسي. الكورد وطنيون، وينتمون إلى سوريا، وسيشاركون في بنائها، وليسوا طارئين يُعاملون بمنطق الحذر أو التحفّظ، ولا يشحذون حقوقهم كصدقة من أحد.
من النقاط الإيجابية حتى الآن، أن الكورد في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الانتقالية، مثل عفرين، حلب، ودمشق، لم يتعرضوا لسوء معاملة ممنهج حتى الآن، بل شهدنا خطوات مشجعة، مثل زيارة رئيس سوريا للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع إلى مدينة عفرين، وهي لفتة إيجابية يجب أن تتكرّر وتعزّز الثقة. غير أن ذلك لا يُغني عن الحاجة لحوار سياسي حقيقي ومباشر مع الممثلين الفعليين للشعب الكوردي.
وفي هذا الإطار، من الضروري أن تتعامل السلطة المؤقتة مع نتائج كونفرانس 26 نيسان 2025 في مدينة قامشلو، باعتباره المرجعية الشرعية الحالية لتمثيل الإرادة السياسية للشعب الكوردي في سوريا. هذا المؤتمر، الذي جمع طيفاً واسعاً من القوى الكوردية والشخصيات الوطنية الكوردية، يجب أن يكون طرفاً رسمياً في أي حوار وطني أو مفاوضات مستقبلية. تجاوزه أو تجاهله يعيد إنتاج الإقصاء ويقوّض فرص بناء شراكة وطنية حقيقية.
ولا يخفى أن شرعية كونفرانس 26 نيسان لا تنبع فقط من التمثيل الواسع للقوى الكوردية في سوريا، بل أيضاً من الدعم السياسي والمعنوي الذي حظي به من رموز كوردية بارزة على مستوى المنطقة، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بارزاني والزعيم عبدالله أوجلان. هذا الامتداد القومي لا يعني تجاوز الحدود السياسية للدول، بل يعكس عمق التواصل القومي والنضالي بين أجزاء الشعب الكوردي في كل من تركيا، العراق، إيران، وسوريا. إن هذا الدعم القومي الكوردي، حين يُفهم ضمن سياقه الطبيعي، يشكّل رافعة سياسية مشروعة لصوت الكورد السوريين في مطالبهم العادلة، وليس تهديداً لوحدة البلاد كما يحاول البعض تصويره.
كما يُثار تساؤل مشروع حول تلويح بعض أوساط السلطة المؤقتة بالتقارب مع تركيا كوسيلة للضغط على الكورد، أو كأداة لكسب دعم إقليمي ضد تطلعاتهم. إن استقواء أي طرف سوري بالخارج ضد مكوّن وطني شريك في الأرض والتاريخ هو أمر خطير، ويُضعف السيادة الوطنية التي نطمح جميعاً لإرسائها في سوريا الجديدة. يجب أن يُنجز التفاهم بين السوريين بالحوار السلمي، وألّا يُجبر أيّ مكوّن على اللجوء إلى الخارج لحماية حقوقه ووجوده.
من جهة أخرى، من غير المقبول أن تُمارَس من قبل أنصار السلطة المؤقتة التهديدات العلنية أو الضمنية تجاه المكونات السورية، كما حصل مع الطائفة العلوية في الساحل السوري، وبعدها مع الطائفة الدرزية في بلدتي صحنايا وأشرفية صحنايا بريف دمشق والسويداء. لا يجب أن يُستخدم الحل العسكري أو الخطاب الأمني كوسيلة لفرض الهيمنة، بل لا بد من ترسيخ ثقافة التفاهم السياسي والحوار المدني، بعيداً عن الترهيب أو الطروحات الإقصائية.
ولعلّ أخطر ما يُقوّض مسار بناء الدولة الوطنية هو تفشي الخطاب الطائفي والعنصري، خاصة من قبل بعض الشخصيات والنشطاء في سوريا، الذين يروّجون أنفسهم كمقرّبين من دوائر السلطة أو “قصر الشعب”. هؤلاء يُلحقون في وسائل التواصل الاجتماعي وفي قنوات الإعلام العربي ضرراً بالغاً بصورة السلطة المؤقتة، عبر نشر خطاب الكراهية والتحريض العرقي والطائفي، وبدلاً من توحيد الصفوف، يعملون على تمزيقها. يجب على السلطة المؤقتة أن تضع حداً لهذا التمادي الإعلامي والسياسي الذي يُغذي الانقسام ويهدد السلم الأهلي.
وبينما يلوّح البعض بأن الكورد يجب أن يسلّموا سلاحهم بلا مقابل، يتجاهلون حقيقة أن السلطة المؤقتة نفسها لم تحظَ بشرعية انتخابية بعد، وأن ما يُطلب من الكورد لا يُطلب من غيرهم، بل يتم غض الطرف عن الفصائل التي تستقدم عناصر أجنبية أو تتبع لجهات غير سورية. فكيف يُمنع على قوات سوريا الديمقراطية ضمّ مقاتلين كورد من أجزاء كوردستان، ويُسمح في الوقت ذاته لفصائل أخرى باستقدام عناصر من دول لا علاقة لها بسوريا، بل تُفكّر بمنحهم الجنسية والرتب العسكرية والمناصب في الدولة.
خلاصة القول، الكورد لا يبحثون عن امتيازات، بل عن شراكة قائمة على المواطنة المتساوية والاعتراف الدستوري. مثلما للشعب العربي امتداد قومي وجغرافي في الوطن العربي، فللشعب الكوردي أيضاً امتداد طبيعي في أقاليم كوردستان ضمن تركيا، إيران، العراق، وسوريا. هذا ليس تهديداً للوحدة، بل أساس لفهم أعمق لهوية كل مكوّن، على طريق بناء سوريا جديدة تعددية.
ويجب أن يدرك مروّجو تهم الانفصال والتقسيم ضد المكونات السورية أن وحدة أبناء الوطن واحترام كرامة المواطن السوري أهم من التمسك المجرّد بوحدة التراب، فلا معنى لوطن موحد جغرافياً تُهدر فيه الكرامة وتُهمَّش فيه الحقوق، فالوحدة الحقيقية تُبنى أولاً على العدالة والمساواة بين المواطنين، لا على تهميش الآخر والقمع والشعارات.
وسوريا هذه، لا يمكن أن تُبنى بهوية واحدة تُقصي الآخرين، بل بهوية جامعة تُحترم فيها جميع القوميات والمعتقدات، من العرب إلى الكورد، ومن الآشوريين إلى التركمان والأرمن، ومن السنّة إلى العلويين والدروز والمسيحيين والإيزديين. وهو ما يتطلب إعادة النظر حتى في اسم الدولة نفسها، لتكون “الجمهورية السورية”، أو "دولة سوريا" بدلاً من “الجمهورية العربية السورية”، بما يعكس حقيقة هذا التعدد العميق والواسع في الوطن السوري الواحد.
