إن التطور السريع للأحداث الدولية أدى بالكثير التيقن من قيام حرب عالمية ثالثة أكثر قسوة ودمارا من سابقاتها وسط تطور التكنولوجي والأسلحة الفتاكة اضعافا مضاعفة.
وهذا الإعتقاد ليس عبثا فالنزاعات الحساسة والمتزايدة التي تشهدها مناطق عدة في العالم قد تدفع الكثير باعتبارها احداثا لم يسبق لها مثيل منذ قيام النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الأمم المتحدة وان مجريات الأمور توحي بقوة الى تصعيد أكثر في المستقبل القريب، كيف لا وأن القانون الدولي يمر في وضع يرثى له، واصبح مجرد تعاليم تطبق اينما وجدت مصالح الدول العظمى ويغيب تماما عندما تنتهي مصالحها والدول التي وكلت بصيانة السلم والأمن الدولي هي نفسها اصبحت عبئا على السلم الدولي و هي الطرف الأساسي والطرف الأكبر في هذه النزاعات، وانحرفت بوضوح عن تحقيق ما انيطت به، وهي نفسها المبادرة والشارعة الاولى في هذه المناوشات فضلا عن منعها.
فالحرب الاوكرانية ابطالها من أعضاء مجلس الأمن وحرب غزة ابطالها مساندون من قبل اعضاء مجلس الأمن ان لم يكونوا الفاعلين؛ ناهيك عن الأحداث الأخرى حول العالم من تايوان مرورا بالكوريتين المشحونتين على لهيب من النار، والتهديد المستمر بالمحو النووي؛ إلى إيران واليمن...الخ
إذن فالسؤال الذي يساور الأذهان هو مدى احتمالية تطور هذه الأحداث إلى حرب شاملة، هل العالم مقبل على حرب أخرى؟.
للإجابة على هذه الأسئلة لابد من الإشارة إلى أن الظاهر للعيان من مجريات الأمور يشير الى حرب شاملة, وهذا ما تم تأكيده من قبل محللين سياسيين ومسؤولين رفيعي المستوى لعدة دول، وان الحروب السابقة لم تكن إلا نتيجة لمناوشات صغيرة وتافهة ترعرعت و تطورت إلى حروب عالمية؛ إذن فلا مجال للتهاون بجدية هذه الأحداث.
الا ان دراسة هذا الموضوع من زوايا اخرى ودراسة الحقائق من منطلق مختلف يظهر لنا شيئا مختلفا؛ بحيث هناك أسباب مهمة ربما تجحظ هذه المخاوف وتبعث الأمل بعدم قدوم حرب أخرى في القريب الآتي.
السبب الأول هو ان هذه الأحداث وان كانت تتميز ببعض الخصوصيات الا أنها ليست الفريدة والجديدة ككل, فبعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك نزاعات ومناوشات اخرى على الصعيد الدولي ولم تؤدي الى حرب عالمية اخرى, الا ان تطور وسائل الإعلام وازدياد أعدادها ضخم وفخم الأحداث وجعل التكتيم الإعلامي أمرا صعبا, وان الاحداث الدولية بخلاف الماضي أصبحت على مرأى العالم؛ مما أعطى ترويجا أكثر لها.
والسبب الثاني يعود إلى نوعية الوسائل القتالية, فان الوسائل العسكرية الحديثة بخلاف الوسائل التقليدية تعتمد على الجودة والدقة, فلا حاجة لدخول أراضي الخصم واحتلالها لإصابة الأهداف, بل يمكن إصابة أهداف في عمق الدول بدون أي اختراق للحواجز التقليدية, وهذا مايقلل من حجم وصدى هذه الهجمات وربما يجعلها اكثر تقبلا من حالة تدخل الجيوش أو المروحيات لإصابة الأهداف.
والسبب الثالث والأهم هو المصالح الإقتصادية للدول الكبرى, فان البيت الآمن والجنة الزجاجية التي بنتها وتتباهى بها الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة والصين لن يتركوها تذهب هباء ولن يضعوها تحت رحمة صواريخ حماس ولا غطرسة إسرائيل لتعبث بها, وان اقتصاد الصين صاحبة حوالي 1.7 مليار نسمة المبني على العالم الخيالي من الأرقام والخوارزميات لايمكن ان تخاطر به الصين, ولا الروبوتات والذكاء الاصطناعي للولايات المتحدة محلا للمغامرة، فلا مجال لاستمرار وانتعاش الثورة الصناعية وخاصة الرقمية منها مع الحروب العالمية الفتاكة.
ان ما يجري الآن هو مجرد حرب وكالة وعلى ساحات دول أخرى, ولن تمتد هذه المنازعات لتصل إلى حدود اية من هذه الدول, وهذه الدول تعي تماما ما تفعله وتتفهم المقابل. فالكل يعلم حدوده ويرى خطوطه الحمراء المقابلة, ويعلم كل منهم حجم وقوة الآخر ويتفهم كل منهم موقف الآخر وخطواته. وعراكهم كعراك بين جارين, يتبادلون ضرب دواب وابواب اكواخ بعضهم البعض ولا يتجرأوا او ربما لا يرغبون بضرب بعضهم البعض, وكلما اشتد الصراع اشتد ضرب الدواب والأبواب والمتضرر فقط الدواب والأبواب.
اضافة الى ذلك, أن بعض هذه النزاعات تستغل من قبل الدول للتلاعب بمعادلات إقليمية وقلب موازين القوى بغية كسب منافع اقتصادية وزيادة النفوذ السياسي, فأميركا تحتاج الى ايران لكي تبقى مرحبة في بعض الدول العربية, وإيران تحتاج أميركا لكي تظهر المقاومة والممانعة. فلا حاجة للدول العربية بأميركا اذا لم تكن هناك إيران, ولا حاجة لحماس بإيران إذا لم تكن اسرائيل.
خلاصة القول, الحرب الشاملة أمر مستبعد في الوقت الآني, وإن كانت مجريات الأحداث ونسبة خطورتها تستدعي التيقن بذلك؛ والسبب يعود الى عدم رغبة الدول العظمى خوض حرب عالمية شاملة وواسعة النطاق, لأن أي حرب عالمية خاصة في ضوء التطور الكبير في القوة النووية قد يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها, وستنهي بسهولة ما أحرزته هذه الدول من تقدم، خاصة وان تفوقها الاقتصادي والعسكري والسياسي يعتمد بشكل أساس على هذا التقدم, وأن المساس بسلامة هذا التقدم يعني انهيار هذه الدول وتضررها أكثر من الدول النامية، وان ما يجري الآن من احتكاكات ومناوشات هو أقرب إلى سياسة البقاء والصمود أكثر منه إلى التوسع, وحتى هذا التوسع المحدود مشروط بعدم المساس ببنية التكنولوجيا لهذه الدول, اي انها حروب بعيدة عن حدودها.
الا ان ما يبعث القلق هو ازدياد معاناة الدول التي أصبحت ساحة لتصفية حسابات الدول الكبرى, وأن حجم المأساة سيزداد, ولن تكون هناك فرص ملموسة لإنفراج سياسي وأمني, حتى وان كانت هناك بوادر حلول بشكل مؤقت بين حين لآخر, ألا ان السمة الأساسية للفترة القادمة هي عدم الاستقرار .
