يبدو أن ما حدث اليوم في برلمان إقليم كوردستان العراق لم يكن وليد الدقائق الخمس الأخيرة، بل هي استمرار لعملية سياسية صراعية وتوافقية عمرها خمسون سنة. فالتصويت اليوم على انتخاب رئيس جديد لإقليم كوردستان العراق داخل قاعة البرلمان قد دشن بحد ذاته لعهد جديد في إدارة الحكم، وبالتالي شكلت انعطافة في مسار التجربة الديمقراطية الفتية في كردستان العراق.
لقد سبق أن انتقل إقليم كوردستان العراق بصعوبة بالغة من الثورة الى الادارة المدنية والحياة البرلمانية خلال تسعينيات القرن الماضي، عبر مخاض شاق ترافق مع صراعات واقتتال بين الحزبين الرئيسيين عهدئذ (البارتي واليكيتي). بالتوازي مع تحسن العلاقة بين الحزبين الرئيسين، انتعشت الحياة السياسية الكوردستانية وذلك عن طريق طي صفحة الصراع المسلح أولا، الاتفاق على نظام المناصفة و المحاصصة التامة بين الحزبين المذكورين ثانيا. حتى تحولت إلى ديمقراطية توافقية حزبية ثنائية طوال السنوات العشرين الماضية، التي لم تكن ايجابية في أغلب تفاصيلها وجوانبها، إذ كانت معرقلة لعميلة الإصلاح السياسي والإداري، كما كانت تقلل من فرص توسيع المشاركة السياسية لتشمل قوى سياسية وشرائح اجتماعية أوسع.
ما جرى يوم 28 أيار 2019 في برلمان إقليم كوردستان العراق له أكثر من دلالة ومعنى، فانتخاب رئيس إقليم كوردستان العراق لأول مرة مباشرة من قبل أعضاء البرلمان هو تدشين، بل تأسيس لمسار الديمقراطية وترسيخ الحياة الدستورية. كما شكلت طيا لصفحة التوافقات والصفقات الحزبية لتفسح المجال أما الاستحقاقات الدستورية، وتربط السلطتين التنفيذية والتشريعية بوشائج ومحددات قانونية، وصولا الى تحقيق أكبر قدر من الشرعية الدستورية على حساب طي مرحلة الشرعية الثورية والحزبية.
جدير بالذكر أن قراءة المشهد السياسي وبيئة التصويت في برلمان كوردستان يتطلب منا قراءة تأثير المناخ السياسي الدولي والإقليمي على مسار العملية الديمقراطية في كوردستان العراق. فلقد سبق أن بينا منذ سنوات أن انتشار وترسخ الديمقراطية البرلمانية خارج البيئة الأوروأمريكية مرهونة تماما بجوارها الجيوسياسي، لدرجة أن العملية الديمقراطية باتت مرتبطة بجوارها الجغرافي بشدة، لدرجة أن سميناها (بالجيوديمقراطية) سواء على مستوى العراق أو الشرق الأوسط. ما يعني أن العملية الديمقراطية في إقليم كوردستان العراق تتأثر بشكل مباشر بما يحدث في بغداد، فضلا عن أنها تدفع ضريبة الصراعات الدولية والإقليمية وخاصة التوتر الراهن بين دول مجلس التعاون الخليجي والإدارة الأمريكية من جهة، الحكومة الإيرانية وحلفائها من جهة أخرى. لذلك فمن غير المتوقع أن لا تتأثر كوردستان التي تقع في محيط هذا الصراع بتجاذباتها.
من منظار نظري وبحسب روح العملية الديمقراطية، ما حدث في برلمان إقليم كوردستان العراق هي ظاهرة صحية وسليمة، فليس بالضرورة أن يحصل الرئيس الجديد على (99%) من الأصوات، ولا أحد يريد لديمقراطية كوردستان الفتية أن تكون ديمقراطية التسع والتسعين بالمائة التي هي وهم وضحك على الجماهير.
فتصويت الغالبية العظمى وبما تجاوز السبعين بالمائة من مجموع عدد أعضاء البرلمان تظل كافية وأكثر مصداقية. علما أن ما اتخذته قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني من مقاطعة الجلسة بعد أشهر طويلة من المفاوضات والاتفاقيات الخطية مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن موقفا سياسيا سليما ولا تخدم جماهير كوردستان ولا العملية الديمقراطية، وأفترض أن هذا الموقف سيتضرر منه الاتحاد الوطني أكثر مما يشكل خطرا على مستقبل العملية السياسية وترسيخ الحياة الديمقراطية والدستورية في إقليم كوردستان العراق.
أخيرا تثبت تجارب الشعوب التي بنت حكومات ديمقراطية، أن العبرة ليست في النسبة التي حصل عليها رئيس إقليم كوردستان الجديد الأخ نيجيرفان البارزاني وإنما في ما سيقوم به وسينجزه لصالح الجماهير التي انتخبت أعضاء هذا البرلمان.
لا شك أن المهمة صعبة أما الأخ الرئيس نيجيرفان ولكن شرط النجاح لا يبدأ من التوافق السياسي التام وإنما من النسبي. فالتأسيس لمرحلة جديدة من تاريخ كوردستان والعراق، يتطلب الالتزام التام بالقوانين، والتدريب على تقبل قساوة القانون ودقة تطبيقه، بدءا بالرئيس وصولا إلى القيادات السياسية والعسكرية. أعتقد أنه من حظ الرئيس الجديد أنه لم يكن من الصنف الذي يصوت له (99) بالمائة بنعم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



