في الدول الخارجة من الصراعات
والنزاعات، تقتضي مرحلتها الانتقالية مقاربة عقلانية ضمن إطار الإعلام ليقوم بدوره
الحقيقي بمسؤولية وبرصانة فكرية جديرة بالاتزان نحو هندسة الوعي العام وبناء
الإدراك المجتمعي، عبر إيصال المعلومات ذات المصادر الموثوقة بشكل موضوعي ومصداقية
بما يتوافق مع المعايير المهنية والأخلاقية، بما فيها الانخراط في طرح الملفات
وشؤون المجتمع الوطنية أو بصورة أعمق المسائل السياسية التي تتطلب الجدية بما لها
من تأثير على حل وعلاج الملفات المحورية الخاصة بالشعب السوري.
اليوم، تشهد سوريا حالة من
الانحدار الإعلامي والخطابي والتدهور المهني والانسياق نحو إشعال الرأي العام
وافتعاله على نحوٍ ضار وغير بنّاء، والهشاشة الفكرية والمعالجة غير العميقة
والتفاعل العابر واسع الانتشار، ما يعزز إعادة إنتاج إعلام ينافي قواعد العمل
الأخلاقي والمهني على حدٍّ سواء بل ويسقط معالجته المهنية لتتحول بذلك القضايا
العامة إلى مادة للابتذال والاستعراض.
الإعلام بين المهنية وصناعة
التفاعل
الأشد خطورةً أن الكثير من
الوسائل الإعلامية السورية لاسيما تلك التابعة للسلطة الانتقالية تذهب في توظيف
الحالة أو الخطاب ذات المستوى المتدني أسلوباً وأداءً ومضموناً لتنجرف نحو
الاستعراض في طرح الملفات العامة للنقاش، ما يثير استياء الجمهور والرأي العام
بسبب تسطيحها لفهمه وعمق استيعابه لما يطرح. الأمر الذي بلور مشهد إعلام متأزم بما
يتوافق مع منطق الترند الذي يجتاح العقول اليوم بغزارة دون إعارة أي اهتمام للمقاربة
المعمقة والشاملة لزوايا الطرح التي تتطلب مسؤولية مهنية بمنأىً عن التهكم
واللاعمق.
مشهد التراجع المهني في قطاع
الإعلام بات واضحاً في ظل المرحلة
الانتقالية، حيث الهدف الرئيسي هو زيادة عدد المتابعين وجذب أكبر نسبة ممكنة منهم
والانتشار على أوسع نطاق عبر التفاعل الذي تحول لأداة فاعلة في ظل التحولات
الرقمية متسارعة الخطى لإعادة إنتاج التسطيح والسخرية ضمن فلك الخطاب القائم على
استمالة الجمهور وأحياناً قد يصل إلى التحريض دون النظر إلى محتوى الطرح وما يحمله
من قيم مهنية قيِّمة ومضافة، عبر التركيز على الدقة في التحليل والمعالجة المهنية
للقضية بناءً على سياقها الحقيقي والدفع بها نحو مادة إعلامية متوازنة توافق الضوابط والقيم المهنية.
تكريس الانحدار الخطابي
هل يمكننا عد الانحدار الخطابي في
بعض المنابر الإعلامية اليوم مجرد انعكاس مرحلي أو إفراز ظرفي وربما عابر نتيجة
المشهد السياسي المنقسم في سوريا، أم أنه صار ظاهرة حقيقية على هيئة خطاب يُكرَّس
باستمرار داخل المنصات الإعلامية لاسيما تلك المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي؟.
اليوم،
لا تمارس بعض الوسائل الإعلامية دورها المطلوب بأن تكون فضاءً حقيقياً لمعالجة
القضايا العامة عبر الحوار والنقاش بمسؤولية بل ومراقبتها لتقديم الحلول ما أمكن،
فقد أصبحت مساحة للاستقطابات الحادة بما فيها خلق حالة من الضجيج الإعلامي وتحقيق
المشاهدات، ويظهر تكريس هذا الانحدار من خلال الاستناد إلى اللغة التعبوية وخطاب
تحريضي يحفز الاستفزاز للإثارة وصناعة التفاعلات الرقمية وتعزيزها، لا التعمق في
الملف المطروح وكشف الوقائع والحقائق، ما أدى إلى الحضور المزدحم للخطاب المتشنج
وتأثيره بصورة لافتة، وهذا يعني الانعكاس السلبي ليس فقط على المشهد الإعلامي
وجودته المهنية فحسب، بل على تشكيل الوعي المجتمعي وطبيعته والرأي العام الاجتماعي
والسياسي السوري.
ويتجلى هذا التكريس عبر استخدام
خطاب جماهيري انفعالي وتبسيطي موجه للجمهور، وعناوين تقوم على الإثارة لا المعالجة
وتعتبر تحريضية أكثر منها مهنية. وباتت مقاطع الترند اللافتة للانتباه بشكل مبالغ
فيه هي من تتصدر المقدمة وتطغى على المعايير المهنية الصحفية في محاولةٍ لتحويل
المنصات الرقمية إلى قنوات وتقنيات لإعادة استنساخ الخطاب الهابط والمحتوى
المتداول ضمن إطار الصخب الافتراضي والتدفق العشوائي للمحتوى والنأي عن بلورة
حقيقية لمعالجة إعلامية مسؤولة ذات خطاب واعٍ.
في ذات السياق، بات الخطاب
المتطرف في الطرح ذات اللغة التصعيدية أحد أهم صيغ وتجليات الجرأة في التناول (التهور
الإعلامي عند تجاوز المهنية بكل مقاييسها)، في حين تهمَّش المقاربة المتزنة
والهادفة التي تحتاجها الساحة الإعلامية، بما فيها القراءة التحليلية والموضوعية
بوصفها الأضعف قدرةً على استقطاب واستمالة الرأي العام.
والجدير بالذكر أن منصات التواصل
الاجتماعي بلورت حالة من التردي والانحدار غير المسبوق في الفضاء الإعلامي قائم
على التآكل والانهيار السريع نتيجة تحويل المواد الإعلامية إلى مساحات للتوتر
وردود الفعل اللحظية مكرسة بذلك التشرذم والتصدع في الشارع العام السوري، ما يصيغ
بشكل مباشر سياق غير حقيقي للواقع الذي أصبح هو الأكثر تناولاً وتفاعلاً أكثر من
المحتوى الذي يلامس الشعب وقضاياهم الصادقة والموثوقة.
أرى أن تكريس هذا الانحدار في
الخطاب الإعلامي السوري ولد، ولايزال، حالة من الاستقطاب والانفعالات اللامتناهية
على الوعي العام والإعلام على حد سواء، ما يعزز قبول واضح للخطاب الدعائي
والتبسيطي المفرط أكثر من الخطاب المهني المسؤول والمعتدل، الأمر الذي من شأنه
إضعاف الرأي العام ووعيه والابتعاد به عن تشكيل حوارات تحليلية معمقة لاسيما فيما
يتعلق بالقضايا الوطنية والسياسية.
تغييب المعالجة
عديد المنصات الرقمية والإعلامية
لم يعد يثير اهتمامها سياق القضايا والملفات وخلفياتها ذات الأبعاد الاجتماعية
والسياسية مقارنة بتغطيتها العاجلة للأحداث ونشرها بشكل فوري حتى باتت سمة من
سماتها، ما عزز فكرة التغييب التام للمعالجة العميقة التي يمكن تصنيفها كأحد أهم
صور انكماش الحضور الإعلامي في سوريا.
اختزال الملفات والأحداث العامة
في طرح هش وسطحي الطابع عوضاً عن عرض قراءة متوازنة معمقة توضح الإطار العام وتشرح
الانعكاسات يخلق مشهداً ممزوجاً بتصاعد الطابع العاطفي وتفاقم الإثارة الإعلامية،
ما عزز غياب الثقة بالمحتوى الإعلامي في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا
التي تغيب فيها المنهجية المهنية وأخلاقيات التحقيق الإعلامي ومباحثات جادة
وموضوعية تسهم في خدمة الجمهور والرأي العام على إعداد تحليل نقدي مدرك للسياق عن
وعي وتبصر.
يمكننا طرح وجوب وإلزام كافة
وسائل الإعلام بما فيها المنصات الرقمية بالمعايير المهنية والأخلاقية وإعادة
الاعتبار لها بكونها الدعامة الأساسية في منظومة الحقل الإعلامي التي تتطلب الدقة
والتحليل المعمق والتوازن في الطرح والمسؤولية المهنية والتحقق والموضوعية خلافاً
لمنطق الانتشار السريع وحديث الساعة، ناهيك بتحسين الوعي الإعلامي لدى المؤسسات
الإعلامية والعاملين فيها وكذلك الجمهور المستهدف، عبر تعزيز مهاراته للفصل بين
المحتوى المهني والمحتوى المزيف، لأن إعادة الهيكل الإعلامي لا يتعلق بالشبكات أو
المنابر الاجتماعية (وسائل التواصل الاجتماعي) فقط، بل أيضاً بأساليب استقبال
الخطاب الإعلامي وآليات فهمه. يضاف إلى ذلك، تقديم الدعم اللازم للمحتوى البحثي
والتحليلي الاستقصائي لبلورة مساحات معمقة للحوارات العقلانية والأقرب إلى المنطق
المهني والحقيقة.
أخيراً، وأمام هذا المشهد
المبتذل، الذي يستند إلى ضعف الإمكانيات المهنية أو التطور الرقمي المتسارع، نلاحظ
انحراف الأطر المهنية الإعلامية لا سيما الخطاب الذي بات يتخطى الأصول المهنية
متجاوزاً مقتضيات مسؤولية العمل الإعلامي، وهنا يبرز السؤال الأشد عمقاً: هل سيكون
الإعلام السوري مؤهلاً للتغيير الحقيقي وإعادة بناء مسؤوليته المهنية ووضع اللبنة
الأساسية، أم أن خطاب التهييج والانقسام صار يفرض إيقاعه على الفضاء العام أعمق من
ذي قبل؟.
