في السياسة، ليست المشكلة دائماً
في الخلافات، بل في الوقت الذي تستهلكه تلك الخلافات. فالأمم التي تعيش وسط إقليم
مشتعل، واقتصاد متقلّب، وتحولات دولية متسارعة، لا تملك ترف الانتظار الطويل. ومن
هنا تبدو قضية تشكيل حكومة جديدة في إقليم كوردستان اليوم أكثر من مجرد استحقاق
دستوري؛ إنها اختبار لقدرة القوى السياسية الكوردستانية على حماية الاستقرار الذي
بُني خلال عقود من التضحيات.
لقد أثبتت التجارب أن الفراغ
السياسي لا يبقى فراغاً. إنه يتحول سريعاً إلى قلق اقتصادي، وتراجع إداري، واهتزاز
في ثقة المواطن. وفي إقليم يعتمد على صورة الاستقرار بوصفها أحد أهم عناصر قوته
السياسية والاستثمارية، فإن إطالة أمد المفاوضات ترسل رسائل سلبية إلى الداخل
والخارج معاً.
وسط هذا المشهد، يبرز خطاب
نيجيرفان بارزاني بوصفه الأكثر اتزاناً وواقعية. فمنذ سنوات، يحاول الرجل ترسيخ
معادلة تقوم على أن قوة الإقليم لا تُقاس فقط بحجم النفوذ السياسي، بل بقدرة
مؤسساته على الاستمرار والعمل حتى في أصعب الظروف. ولهذا لم يكن حديثه المتكرر عن الحوار،
والتفاهم، والشراكة مجرد لغة دبلوماسية ناعمة، بل رؤية سياسية متكاملة لحماية
التجربة الكوردستانية من الانقسام والتعطيل.
وفي أكثر من مناسبة، شدد نيجيرفان
بارزاني على أن المرحلة الحالية تتطلب حكومة قوية وقادرة على الاستجابة لتطلعات
المواطنين، مع ضرورة تسريع التفاهمات السياسية وتوسيع الحوار بين القوى المختلفة.
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني،
بوصفه القوة السياسية الأكبر في الإقليم، يدرك أن أي تأخير إضافي لن يُضعف خصومه
بقدر ما سيستنزف ثقة الشارع الكوردي بالمشهد السياسي كله. ولهذا فإن خطاب البارتي
اليوم لا يقوم على فكرة "المنتصر والمهزوم"، بل على فكرة "إنقاذ
اللحظة السياسية" قبل أن تتحول الخلافات الطبيعية إلى أزمة ثقة عامة.
والواقع أن إقليم كوردستان يقف
أمام لحظة حساسة. فالعلاقة مع بغداد ماتزال بحاجة إلى إدارة دقيقة، والملفات
الاقتصادية والنفطية لم تصل بعد إلى استقرار نهائي، فضلاً عن التحديات الأمنية
الإقليمية التي تجعل وجود حكومة كاملة الصلاحيات أمراً ملحاً لا يحتمل التأجيل.
ولهذا فإن تشكيل الحكومة بسرعة لم يعد مطلباً حزبياً، بل ضرورة وطنية لحماية موقع
الإقليم داخل العراق والمنطقة.
لقد نجح إقليم كوردستان عبر سنوات
طويلة في تقديم نفسه كنموذج مختلف داخل العراق؛ نموذج أكثر استقراراً وانفتاحاً
وقدرة على جذب الاستثمار. لكن هذه الصورة لا يمكن أن تستمر من دون مؤسسات فاعلة
وحكومة تمتلك الشرعية السياسية الكاملة. فالعالم لا ينتظر المترددين، والأسواق لا
تثق بالفراغ، والشعوب لا تصبر طويلاً على التعطيل.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يحاول
نيجيرفان بارزاني إيصالها تبدو واضحة: إن حماية تجربة كوردستان تبدأ من تغليب
المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، ومن إدراك أن قوة الإقليم في وحدته السياسية،
لا في طول أمد الخصومات.
التاريخ السياسي للشعوب لا يتذكر
كثيراً من ربح جولة تفاوضية، لكنه يتذكر جيداً من أنقذ الاستقرار في اللحظة
الحرجة. واليوم، تبدو كوردستان بحاجة إلى هذا النوع من القرارات؛ قرارات سريعة،
مسؤولة، وشجاعة، تعيد للمؤسسات حيويتها، وللمواطن ثقته، وللإقليم مكانته التي
يستحقها.
التاريخ السياسي للشعوب لا يخلّد
أولئك الذين أتقنوا لعبة المناورات، ولا يمنح المجد لمن أطالوا أمد الخلافات من
أجل مكاسب عابرة. التاريخ، في لحظاته الفاصلة، يقف دائماً إلى جانب الذين امتلكوا
شجاعة القرار حين كان الجميع يتردد، وإلى جانب الذين قدّموا مصلحة أوطانهم على
حسابات الربح الحزبي الضيق. فكم من زعيم ربح معركة تفاوضية صغيرة، لكنه خسر ثقة
شعبه، وكم من قوة سياسية ظنت أن تعطيل المؤسسات يمنحها أوراق ضغط إضافية، فإذا بها
تفتح أبواب القلق والانقسام على مجتمع كامل.
واليوم، تقف كوردستان أمام واحدة
من تلك اللحظات التي لا تحتمل الحسابات الباردة ولا رفاهية الانتظار الطويل. المواطن
الكوردي الذي واجه الأزمات الاقتصادية، وتحمل تأخر الرواتب، وعاش تحت ضغط التحديات
الإقليمية، لا يريد أن يرى طبقته السياسية غارقة في سجالات لا تنتهي، بينما تتعطل
المؤسسات وتتراجع الثقة يوماً بعد آخر. إن الشارع لم يعد يسأل من انتصر في
التفاوض، بل من يملك الجرأة الكافية لإنهاء حالة الجمود وإعادة الحياة إلى مؤسسات
الحكم.
إن تشكيل الحكومة لم يعد مجرد
استحقاق دستوري مؤجل، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى شعور القوى السياسية
بالمسؤولية التاريخية. فالإقليم الذي بنى سمعته على الاستقرار والانفتاح لا يستطيع
أن يرسل إلى الداخل والخارج صورة مرتبكة عن عجز سياسي مزمن. المستثمر لا ينتظر،
والأسواق لا تثق بالفراغ، والعالم لا يراهن على كيانات مترددة في إدارة شؤونها
الداخلية.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى
قرارات سريعة، مسؤولة، وشجاعة؛ قرارات تعيد الاعتبار لفكرة الدولة والمؤسسات،
وتؤكد أن كوردستان أكبر من أي خلاف حزبي، وأوسع من أي حساب انتخابي. إن المرحلة
تتطلب خطاباً يطمئن المواطن قبل السياسي، ويحمي الاستقرار قبل المصالح، ويعيد إلى
الناس شعورهم بأن هناك قيادة تدرك خطورة اللحظة وتتحرك بمستوى التحدي.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الفراغ
السياسي ليس مساحة صامتة، بل بيئة تتكاثر فيها الأزمات. وكل يوم يتأخر فيه تشكيل
الحكومة يعني مزيداً من التآكل في ثقة الشارع، ومزيداً من الأسئلة حول مستقبل
الإقليم وقدرته على الحفاظ على مكتسباته. ولهذا فإن المسؤولية اليوم لا تقع على
طرف دون آخر، بل على الجميع؛ لأن ما يُختبر الآن ليس قوة حزب، بل قوة تجربة سياسية
كاملة دفعت كوردستان ثمناً باهظاً للوصول إليها.
إن اللحظات الكبرى في تاريخ
الشعوب لا تنتظر المترددين، وكوردستان اليوم بحاجة إلى رجال دولة أكثر من حاجتها
إلى محترفي تفاوض؛ بحاجة إلى من يدرك أن حماية الاستقرار ليست شعاراً سياسياً، بل
واجب وطني وأخلاقي، وأن إنقاذ ثقة المواطن أهم من تسجيل نقاط مؤقتة في معركة
سياسية عابرة.
