دخل قطاع الكهرباء في إيران في
أصعب أزمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. العجز السابق الذي كان يتراوح
بين 20,000 و25,000 ميغاواط، تعمق الآن بشكل أكبر بسبب الدمار الذي خلفته الهجمات
الأميركية والإسرائيلية على إيران خلال فترة 40 يوماً (بين 28 شباط و7 نيسان
2026).
وقد أدى تضرر سلسلة إمدادات
الغاز، ولاسيما الهجوم الإسرائيلي على حقل "بارس الجنوبي" في 18 آذار،
إلى تهديد الوقود الرئيسي لشبكة تعتمد بنسبة تزيد عن 80% على المحطات الحرارية.
مع اقتراب ذروة الطلب على
الكهرباء في الصيف لتصل إلى 77,500 ميغاواط، ومحدودية القدرة المؤسساتية على
الاستجابة بسبب نفاذ الموارد المالية وديون الحكومة البالغة 85 تريليون تومان
للقطاع الخاص، من المتوقع أن تبرز مشاكل كهرباء خطيرة في إيران خلال الأشهر
المقبلة.
أزمة ما قبل الحرب
مشكلة الكهرباء في إيران لم تبدأ
في 28 شباط 2026، بل هي مشكلة تعود لعدة عقود. حتى قبل الحرب، لم يكن قطاع
الكهرباء الإيراني قادراً على توفير نحو 20% من الطلب الوطني في أوقات الذروة.
يزداد استهلاك الكهرباء في إيران سنوياً بنسبة 5-6%، بينما تزداد قدرة الإنتاج بنسبة
4% فقط. تكمن المشكلة الرئيسية في الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي الذي يشكل
90% من إنتاج الكهرباء.
أما إنتاج الكهرباء عبر السدود،
والذي يمتلك نظرياً القدرة على توفير 14% من الطلب، فهو غير موثوق بسبب الجفاف في
السنوات الأخيرة. وكان علي نيكبخت، رئيس جمعية محطات الكهرباء الإيرانية، قد حذر
قبل الحرب من أن البلاد بحاجة لزيادة سنوية قدرها 6,000 ميغاواط، لكن لم يتحقق حتى
ثلث هذا الهدف.
وقد أشار المدير التنفيذي لشركة
"توانير" (الشركة الإيرانية لإدارة وتوليد وتوزيع الكهرباء) إلى أن
صيانة دورة إنتاج الكهرباء تتطلب سنوياً 5 مليارات دولار، بالإضافة إلى 3 مليارات
دولار أخرى لمعالجة اختلال توازن الطاقة، ليصل المجموع إلى 8 مليارات دولار
سنوياً. هذه الميزانيات لا تتوفر بسبب العقوبات ونقص الإيرادات. وفي الوقت نفسه،
بلغت ديون الحكومة للقطاع الخاص 85 تريليون تومان (نحو نصف مليار دولار).
تأثير الحرب على الكهرباء
الإيرانية
الأرقام التي نشرتها شركة
"توانير" مثيرة للاهتمام. يقول محمد أداد، مدير "توانير"، إن
نحو 2,000 منطقة في شبكات الكهرباء الإيرانية تعرضت لهجمات مباشرة وغير مباشرة
خلال 40 يوماً من الحرب. وتضرر أكثر من 6,473 نقطة تشمل معدات وخطوط نقل ومحطات.
وتُقدر الخسائر المالية المباشرة وحدها بنحو 58.5 تريليون تومان.
وقد تم تحديد نقاط الضعف
الاستراتيجية في الشبكة مسبقاً؛ إذ إن تدمير ما بين 10 إلى 15 محولاً كهربائياً
كبيراً (لا تُصنع محلياً) سيؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي الذي لن يتم إصلاحه
حتى صيف 2026 أو 2027.
وكان الحدث الأكثر تأثيراً في
الحرب هو الهجوم الجوي الإسرائيلي على حقل "بارس الجنوبي" العملاق في 18
آذار 2026، حيث استهدف الهجوم منشآت المعالجة في (عسلوية). ينتج حقل بارس الجنوبي
يومياً 730 مليون متر مكعب من الغاز ويوفر 70% من الاستهلاك المحلي، وقد أدى
الهجوم إلى تضرر 12% من إجمالي إنتاج الغاز الإيراني.
ماذا سيحدث في صيف هذا العام؟
في صيف 2025، تم استخدام نحو 40%
إلى 45% من كهرباء إيران، أي نحو 36,000 ميغاواط، بواسطة أنظمة التبريد. وحذر آرش
نجفي، رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة، من أن عجز الكهرباء ارتفع من 8,000
ميغاواط إلى أكثر من 23,000 ميغاواط، وأن الناس سيواجهون هذا الصيف انقطاعاً في
التيار الكهربائي لمدة ساعتين على الأقل يومياً.
رد فعل الحكومة وشركة
"توانير"
تحاول وسائل الإعلام الحكومية
وشركة "توانير" طمأنة الجمهور. فقد صرح محمد أداد بأن أعمال الإصلاح قد
انتهت وأن الشبكة جاهزة. كما أطلقوا حملة (25 درجة) لتشجيع الناس على ضبط درجة
حرارة أجهزة التكييف (السبليت) عند 25 درجة مئوية.
استيراد الكهرباء
لجأت الحكومة إلى استيراد
الكهرباء؛ ومن المتوقع أن يسجل صيف 2026 أعلى مستوى لاستيراد الكهرباء من دولة
أذربيجان إلى إيران. كما تُبذل جهود للاستيراد من تركيا وتركمانستان.
لماذا لا يكون الإصلاح هو الحل؟
يتفق الخبراء على أن الحرب أعادت
فتح جرح قديم، وإلا فإن مشكلة الكهرباء في إيران تعود لعقود مضت، وذلك للأسباب
التالية:
-أسعار الكهرباء: الأسعار الرخيصة
أدت إلى هدر الكهرباء من قبل الناس وعدم إقبال المستثمرين.
-الطاقة المتجددة: يتم توفير
0.83% فقط من كهرباء إيران عبر الطاقة الشمسية، وهي نسبة ضئيلة جداً.
-الارتباط بين الغاز والكهرباء:
أي ضربة لقطاع الغاز تشل بشكل مباشر إنتاج الكهرباء.
