لعب الكورد دوراً مهماً في خدمة
الحضارة الإسلامية منذ العصور الإسلامية الأولى، وأسهموا في مجالات متعددة دينية
وسياسية وعلمية وعسكرية وإنسانية، حتى أصبح لهم حضور بارز في تاريخ العالم
الإسلامي خلال العصور الوسطى. وقد تجلت مساهماتهم بصورة واضحة في حماية طرق الحج،
وبناء المؤسسات الدينية، ودعم العلماء، وتقديم الصدقات والأوقاف، فضلاً عن الدفاع
عن العالم الإسلامي في مواجهة الأخطار الخارجية.
ومن أبرز مجالات مساهمة الكورد في
خدمة الإسلام اهتمامهم بتأمين طريق الحج بين العراق والحجاز، خاصة خلال العصر
العباسي المتأخر، عندما تعرضت قوافل الحجاج لهجمات متكررة من قبل بعض القبائل
وقطاع الطرق. وقد برز في هذا المجال الأمير الكوردي بدر بن حسنويه، الذي خصص
أموالاً طائلة لحماية الحجاج وتأمين مرورهم إلى مكة المكرمة، كما دفع الأموال إلى
زعماء القبائل المسيطرة على الطرق الصحراوية لمنعهم من التعرض للحجاج. وأسهمت هذه
السياسة في استقرار الطريق وإنقاذ آلاف الحجاج من خطر الموت عطشاً في الصحراء. كما
أنشأ الأمراء الكورد الخانات والاستراحات والآبار على طرق السفر لخدمة المسافرين
والفقراء والمنقطعين.
ولم تقتصر مساهمة الكورد على
حماية الطرق فقط، بل امتدت إلى الأعمال الخيرية والصدقات والأوقاف. فقد اشتهر عدد
من الأمراء والعلماء الكورد بالكرم والإنفاق على الفقراء وطلاب العلم والحرمين
الشريفين. وتشير المصادر التاريخية إلى أن بدر بن حسنويه كان يرسل الأموال سنوياً
إلى مكة والمدينة لمساعدة المحتاجين وخدمة الحجاج، كما خصص أوقافاً للمساجد
والمدارس. وسار على هذا النهج كثير من الحكام الكورد الذين رأوا في خدمة المسلمين
عملاً دينياً يعزز مكانتهم في العالم الإسلامي.
وفي المجال العسكري، كان للكورد
دور بارز في الدفاع عن ديار الإسلام، ويأتي في مقدمة ذلك القائد الكوردي صلاح
الدين الأيوبي، الذي وحّد المسلمين وقاد الجهاد ضد الصليبيين واستعاد مدينة القدس
سنة 583هـ/1187م. وقد أسس الدولة الأيوبية التي اهتمت ببناء المدارس والمساجد
والمستشفيات، وأسهمت في نشر العلوم الإسلامية وتقوية العالم الإسلامي سياسياً
وعسكرياً. كما شارك المقاتلون الكورد في جيوش الخلافة الإسلامية في مختلف العصور
وأسهموا في حماية الحدود والثغور.
أما في المجال العلمي والديني،
فقد ظهر عدد كبير من العلماء والفقهاء والمحدثين الكورد الذين أسهموا في تطوير
العلوم الإسلامية. ومنهم ابن صلاح الشهرزوري، أحد كبار علماء الحديث في القرن
السابع الهجري، والمؤرخ ابن خلكان صاحب كتاب “وفيات الأعيان”، إضافة إلى عدد من
الفقهاء والمتصوفة الذين كان لهم تأثير واسع في الحياة الفكرية والدينية. كما
انتشرت المدارس والزوايا الدينية في المدن الكوردية، وأصبحت مراكز لنشر العلم
والفقه واللغة العربية.
وتدل هذه الإسهامات على أن الكورد
كانوا جزءاً فاعلاً من الحضارة الإسلامية، وأسهموا في ترسيخ الأمن والاستقرار
وخدمة الحجاج والعلماء والفقراء، فضلاً عن مشاركتهم في الدفاع عن العالم الإسلامي
ونشر العلوم والمعارف. ولذلك احتفظت المصادر التاريخية الإسلامية بذكر كثير من
الشخصيات الكوردية التي ارتبطت أسماؤها بخدمة الإسلام والمسلمين عبر قرون طويلة.
يعدُّ الأمير بدر بن حسنويه الكوردي
(ت 405هـ/1014م) واحداً من أبرز أمراء الدولة الحسنويه الكوردية في القرن الرابع
الهجري، وقد ارتبط اسمه في المصادر التاريخية بخدمة الحجاج وتأمين طريق الحج بين
بغداد والحجاز في فترةٍ اتسمت بالاضطراب الأمني وكثرة اعتداءات الأعراب على
القوافل. وقد اكتسب شهرة واسعة بسبب دوره في حماية الحجاج وإنفاق الأموال الطائلة
لضمان وصولهم إلى الديار المقدسة بسلام، حتى عده المؤرخون من كبار المحسنين في
تاريخ الإسلام الوسيط.
وفي أواخر القرن الرابع الهجري /
العاشر الميلادي تعرض طريق الحج العراقي إلى أخطار جسيمة نتيجة سيطرة بعض القبائل
العربية المسلحة على مفاصل الطريق الصحراوي الممتد بين العراق والحجاز، وكان من
أخطر هؤلاء رجل يُعرف باسم (الأصيفر الأعرابي أو الأصيفر المنتفقي)، الذي فرض
سيطرته على أجزاء مهمة من الطريق الواقعة بين زبالة والثعلبية (محطات واقعة بين
الصحراء العراقية في محافظة المثنى والاراضي السعودية في عرعر)، وهما من المحطات
المعروفة على درب الحج العراقي. وقد ذكرت المصادر أن هذا الرجل كان يعترض القوافل
ويمنع الحجاج من المرور إلا بعد دفع الأموال، وإذا امتنعوا عن الدفع تعرضوا للسلب
والنهب وتركوا في الصحراء بلا ماء أو زاد، الأمر الذي أدى إلى هلاك أعداد من
الحجاج عطشاً وجوعاً في بعض السنوات.
وقد تفاقمت الأزمة سنة 384هـ/994م
عندما قام الأصيفر الأعرابي بقطع طريق الحجاج القادمين من العراق والمشرق الاسلامي
ومنعهم من مواصلة السير نحو مكة المكرمة، وطلب منهم أموالاً كبيرة بحجة أن الدراهم
التي وصلته من الخليفة العباسي كانت مزورة ويريد تعويضها. ولم يتمكن الحجاج من
تلبية مطالبه، فاضطر كثير منهم إلى الرجوع من حيث أتوا بعد أن ضاق الوقت وخافوا من
الهلاك في الصحراء، وبذلك تعطل الحج بالنسبة لعدد كبير من أهل العراق وخراسان في
تلك السنة. وقد أشار المؤرخون الكبار مثل ابن الجوزي (سنة 597هـ/ 1201م) وابن
الأثير (سنة 630هـ/ 1233م) إلى خطورة هذا الحدث وما سببه من ذعر واسع بين المسلمين.
في هذه الظروف الصعبة برز دور
الأمير بدر بن حسنويه، الذي أدرك أن استمرار اضطراب الطريق يمثل خطراً دينياً
وسياسياً وإنسانياً، لأن الحج كان الركن الأعظم الذي تتجه إليه أنظار المسلمين من
مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ولذلك اختار بدر بن حسنويه معالجة الأزمة بأسلوب
سياسي ومالي بدلاً من الدخول في حرب طويلة داخل الصحراء قد تؤدي إلى زيادة معاناة
الحجاج. فقام سنة 385هـ/995م بدفع مبلغ مالي كبير إلى الأصيفر الأعرابي مقابل الكف
عن التعرض للحجاج والسماح للقوافل بالمرور الآمن إلى الحجاز.
وتختلف الروايات التاريخية في
مقدار المال الذي دفعه الأمير بدر؛ فبعضها يذكر أنه دفع خمسة آلاف دينار سنوياً،
بينما تشير روايات أخرى إلى أن المبلغ وصل إلى تسعة آلاف دينار. ويذكر المؤرخ
المعاصر القريب من هذه الاحداث: الروذراوري (ت 488هـ/1095م) أن الأمير بدر جعل هذه
الأموال بمثابة "خفارة للطريق"، أي مبلغاً سنوياً يدفع لتأمين القوافل
ومنع الاعتداء عليها، ثم زاد هذا المبلغ مع مرور الزمن حتى بلغ تسعة آلاف دينار.
وقد استمر هذا النظام عدة سنوات، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي في طريق الحج
العراقي.
وتكشف هذه السياسة عن براعة
سياسية وانسانية لدى بدر بن حسنويه، إذ لم يكن الهدف مجرد دفع الأموال، بل حماية
أرواح آلاف الحجاج الذين كانوا يسيرون عبر الصحراء في ظروف قاسية. فالحجاج في ذلك
العصر كانوا يعتمدون على موارد الماء القليلة المنتشرة على الطريق، وأي تأخير أو
منع من الوصول إلى الآبار كان يؤدي إلى موت جماعي. ولذلك فإن دفع الأموال للأصيفر
الأعرابي كان في نظر بدر بن حسنويه حلاً عملياً وأقل كلفة من انهيار الحج أو تعرض
الحجاج للموت عطشاً في البادية.
ويبدو أن هذه السياسة حققت نجاحاً
ملحوظاً، لأن المصادر تشير إلى أن طريق الحج شهد نوعاً من الاستقرار بعد الاتفاق
مع الأصيفر. كما أن بدر بن حسنويه لم يكتفِ بدفع الأموال فقط، بل كان يرسل مبالغ
أخرى تُصرف على عمارة الطريق وخدمة الحجاج والفقراء والمنقطعين. ويذكر الروذراوري
أن الأمير بدر كان ينفق كذلك على أولاد المهاجرين والأنصار في الحرمين الشريفين
مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويوزع الأموال على العلماء والفقهاء وأهل البيوتات
في بغداد، حتى بلغت نفقاته السنوية في هذه الأبواب نحو عشرين ألف دينار.
وقد انعكس هذا الدور الإنساني
الكبير على مكانة بدر بن حسنويه عند الخليفة العباسي القادر بالله، الذي كافأه
بالألقاب والتكريمات الرسمية. فقد منحه لقب "ناصر الدولة والدين"
تقديراً لخدماته للحجاج والمسلمين، وهو لقب ذو دلالة دينية واضحة، بخلاف كثير من
الألقاب السياسية التي كانت تمنح للأمراء في العصر العباسي المتأخر. كما وصفه
المؤرخ ابن كثير بأنه "كان من خيار الملوك" لكثرة صدقاته وأعماله
الخيرية.
وقد اهتم عدد من الباحثين
المعاصرين بدراسة هذا الدور الحضاري والسياسي للأمير بدر بن حسنويه، مبينين أن
مساهمته في تأمين طريق الحج لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل كانت جزءاً من مشروع
سياسي وإنساني يهدف إلى تثبيت الاستقرار في المنطقة وربط الإمارات الكوردية
بالمركز العباسي في بغداد. كما أشار إلى أن استمرار دفع الأموال للأصيفر الأعرابي
حتى سنة 403هـ/1012م يدل على أن الأمير بدر جعل حماية الحجاج سياسة ثابتة من
سياسات حكمه.
وتظهر أهمية هذه السياسة إذا ما
قورنت بما حدث بعد وفاة بدر بن حسنويه سنة 405هـ/1014م، إذ تشير بعض الروايات إلى
أن اضطراب الطريق عاد مجدداً وانقطعت بعض النفقات التي كانت تصرف على الحجاج
والطريق والحرمين، مما أثر بصورة مباشرة في أمن القوافل. وهذا يبين أن الاستقرار
الذي تحقق في زمنه كان مرتبطاً بشخصيته وقدرته المالية والسياسية.
ومن خلال هذه الأحداث يتضح أن
الأمير بدر بن حسنويه أدى دوراً محورياً في الحفاظ على طريق الحج العراقي في مرحلة
شديدة الخطورة من تاريخ الدولة العباسية. فقد استطاع بحكمته وأمواله وعلاقاته
السياسية أن يحمي آلاف الحجاج من خطر الموت في الصحراء، وأن يضمن استمرار أداء
فريضة الحج رغم الفوضى التي كانت تعم بعض مناطق البادية. ولذلك بقي اسمه في كتب
التاريخ الإسلامي والكوردي بوصفه واحداً من أبرز الأمراء الذين خدموا الحجاج
وأسهموا في حماية الطريق بين بغداد والحجاز خلال القرن الرابع الهجري.
