هل ستفتح منبج الطريق إلى أربيل أم دمشق؟

14-08-2016
د.ئازاد عەلی
A+ A-



 تقييم حالة استراتيجية(2)


هل ستفتح منبج الطريق إلى أربيل أم دمشق؟



د.آزاد أحمد علي

مركز رووداو للدراسات
14/8/2016


 

الملخص:

ترافقت عملية تحرير منبج من سيطرة مسلحي داعش مع حدثين دبلوماسيين مهمين، ذات علاقة وثيقة بالمتغيرات الميدانية على الساحة السورية. فقد ظهرت بعض جوانب التوافقات الروسية – التركية الجديدة إثر انتهاء إجتماع القمة بين الدولتين المنخرطتين بعمق في الحرب السورية، كما إنطلقت تصريحات فاقعة من اجتماع وزيري خارجية إيران وتركيا، تفسر إستراتيجيا على أن الدول الثلاث تتجه نحو التوافق على إيجاد أكبر مساحة للمشتركات بخصوص الشأن السوري، ربما في مقدمتها نسف المنجزات الجيوسياسية والمعنوية التي تحققت لصالح الكورد وخاصة قوات سورية الديمقراطية، كما أنهم توافقوا على إرسال رسالة مشتركة إلى واشنطن وربما باريس وبرلين، تتلخص في أنهم لن يسمحوا للكورد من إحداث تغييرات سياسية جوهرية، تترجم سياديا على الأرض، كثمن لتضحياتهم وحربهم الواسعة على الإرهاب وطليعتها المتوحشة (داعش). في الوقت الذي لا تبدي واشنطن إهتماما بتحركات موسكو – تركيا – ايران، فقد ثمنت انجازات قوات سورية الديمقراطية وطردها لداعش من منبج، واعتبرت أن أحد أهم نقاط الاتصال بين الرقة والحدود التركية قد إنقطعت.

لا شك أن عملية تحرير منبج وضمها إلى مجموع المناطق التي يتم حمايتها من قبل قوات سورية الديمقراطية، وبالتالي إدارتها من قبل سلطة الإدارة الذاتية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، شكل منعطفا في مسار المتغيرات السياسية والعسكرية على الساحة السورية، لدرجة أن بعض القيادات الكوردية تراهن على أنها  ستعزز من مواقع ومنجزات الكورد، وستكون منبج ورقة تفاوضية قوية بيد مجلس سورية الديمقراطي مستقبلا، بل قد تزيد من رصيد حركة التحرر الكوردستانية. لقد ارتبطت منبج جغرافيا مع أربيل قبل أن يفتح الطريق البري بينها وبين دمشق. كما أن قوات التحالف باتت قادرة على أن تستخدم طريق منبج –  مناطق شمال الموصل – أربيل بأمان. فهل حقا يمكن إدراج عملية تحرير منبج ضمن خانة (المنجزات الكوردستانية)، أو طموح تهيأة الأرضية لتأسيس سلطة فدرالية كوردية في شمال سورية تدور في فلك أربيل؟ هذه الورقة تستشرف مجمل المتغيرات القادمة والتي ستتبع ثابت تحرير منبج وضمها إلى سلطة الإدارة الذاتية (الكوردية) في شمال سورية. وترجح  في ظل المشهد الجيوسياسي المتشكل حديثا، أن تأتي النتائج ليس لصالح الكورد والمعارضة السورية وإنما لصالح نظام الحكم في دمشق.

فليس المهم أن تكون الطريق البرية سالكة بين أربيل ومنبج، إنما الأهم من الربط الجغرافي هو أن معظم الروابط الإدارية والسياسية لم تنقطع بين دمشق ومنبج، فخلايا حزب البعث وما تبقى من عناصر استخبارات النظام مستيقظة وستتنشط، وبالتالي سيترب على عودة منبج إلى سيادة دمشق تحول جذري وكبير، يكمن في سهولة وإمكانية إرتباط معظم مناطق الإدارة الذاتية في شمال سورية بريا مع دمشق، كما سيعد الربط  الجغرافي الحالي بين منبج وأربيل مجرد طريقا آمنا لنقل إمدادات التحالف الدولي. فعلى ما يبدو أن بيضة منبج ستجر معها سلة الإدارة الذاتية إلى قن نظام الحكم في دمشق بصيغة أكثر شفافية، وبذلك ستتحول إلى إدارة ذاتية (إفتراضية) تمهيدا لتسهيل حل المسألة السورية في ظل تفاهم روسي –تركي – ايراني وتأمل أوروأمريكي.



تنبأ السيد مراد قره يلان، القيادي في حزب العمال الكردستاني (PKK) يوم 23/6/2016 بأن تحرير منبج ستعزز تحرر وإستقلال مناطق غربي كوردستان: "مشددا على أهمية السيطرة على مدينة منبج التي ستكون من التطورات المهمة للغاية، فالكرد في سوريا لا يناضلون من أجل الكرد فقط بل من أجل ديمقراطية سوريا." 

بعد طرد مسلحي داعش من مدينة منبج، وتطويق ما تبقى منهم في شمال شرق المدينة، وبعد تأمين طريق عام حلب -  الموصل الدولي، المار جنوب المدينة، يمكن لأي مسافر أو مركبة مدنية أن  تنطلق من الدوار الجنوبي للمدينة سواء بإتجاه الجنوب نحو سد تشرين، فمناطق محافظة الرقة، أو شرقا نحو قره قوزاق فقرية جلبي وصولا إلى بلدة تل تمر والقامشلي في محافظة الحسكة، فالطريق الدولي بات آمنا من منبج إلى تل كوجر – ربيعة على حدود الموصل، ولنفترض أن الرحلة ستستمر داخل مناطق إقليم كوردستان العراق، مرورا بمناطق شمال الموصل أو  جنوب دهوك، فالنتيجة واحد كل الطريق البري المعبد القابل للاستخدام التجاري أو العسكري بات آمنا بين منبج وأربيل عاصمة إقليم كوردستان العراق، بطول يقارب خمسمائة وستون كم. من الناحيتين السياسية والأمنية هذا الطريق مؤمن ومسيطر عليه من قبل القوات الكوردستانية على الأرض، سواء ضمن سورية أو العراق، فضلا عن أنه آمن تحت غطاء طائرات التحالف الدولي. كيف سيتم توظف هذا الواقع الجيوسياسي المستجد؟ وهل ثمة إمكانية لترجمته سياسسيا وعسكريا؟ وما النتيجة التي ستؤول إليه فعالية هذا الطريق، الذي يقارب أهميته اليوم أهمية قطار الشرق السريع بين استانبول وبغداد قبل مائة عام! ما هو مستوى الاستخدامات الرئيسة لهذا الطريق عدا عن مرور إمدادات قوات التحالف الدولي؟ هل أعطى موقع منبج الأهمية لهذا الطريق؟ أم الطريق سيمنح أهميته الجيوسياسية لمنبج نفسها؟  لتطبع في المحصلة المرحلة القادمة بإسمه، أي (مرحلة ما بعد منبج).

نشأت منبج الحديثة كبلدة صغيرة شيدت على أنقاض آثار مدينة يونانية – رومانية مندثرة، تم إعادة إعمارها من قبل أوائل المهاجرين الشركس والشيشان نهاية القرن التاسع عشر. انتعشت وتبلورت نواتها الحضرية مع قدوم الفرنسيين، واتخذت ملامحها العربية الراهنة بعد هجرة أبناء القبائل العربية من الجنوب والتوطين فيها، كما نزح اليها الكورد من قراهم الشمالية القريبة ولكن بكثافة أقل، إذ لم تكن منبج يوما وجهة أو حاضرة جاذبة للقرويين الكورد، كما كانت حلب.
 
undefined

موقع منبج على خارطة سورية
 

undefined

تبدلت ملامح البلدة الإجتماعية والسياسية بعد حكم حزب البعث، فاتسمت بطابع فلاحي، ثم سيطرت عليها البنى القبلية بعد حكم حافظ الأسد وتم تعويم الزعامات العشائرية على حساب الحضرية، هذا وقد ظهرت في منبج قيادات عربية شابة ذات نزوع يساري في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، إلا أنها فرغت من شحناتها وطموحاتها بسبب استبداد السلطة، فتم إقصاءهم حتى فقدت مرتكزاتها وحاضنتها الإجتماعية، لقد باتت المدينة كتلة سكانية تقاد من قبل القيادات العشائرية والبعثية اللذان تم السيطرة عليهما من قبل دوائر الاستخبارات. بعد دخول قوات سورية الديمقراطية اليها، وتخليص الكثير من المدنيين من سطوة وظلم داعش. ثمة تساؤل يفرض نفسه، ما الذي ستقدمه وتؤسس له هذه القوات، خاصة بمساعدة طليعتها المحلية (مجلس منبج العسكري) وبدعم من قوات التحالف الدولي؟ أي تحول أو إعادة تأسيس سياسية ممكنة ومحتملة في هذا الظرف العصيب؟!

لا يمكن لأي مراقب أو مواطن سوري موضوعي إلا وأن يقدر ايجابيا عملية تخليص منبج من داعش، أما كيف ستدار المرحلة التالية؟ ومن أين تنبع المخاوف؟ فسيظل موضوعا خلافيا. لا شك أن قوات سورية الديمقراطية هي ذات غالبية كوردية، وأن مدينة منبج ذات غالبية عربية، وإن لم يعد لها هوية سياسية واضحة بعد كل الخراب والدمار الروحي والمادي الذي لحق بها طوال العقود المنصرمة، وآخرها سنوات حكم داعش الغاشم.

طوال العهد العثماني لم تكن مدينة منبج عامرة، ولم تكن ضمن الحواضر المحلية الكوردية ولا العربية، ولم تكن تاليا حاضرة ذات هوية مميزة بسبب تراجع عدد السكان المؤسسين لها من الشركس، لذلك لا يمكن تقييم مستقبلها السياسي ولا شرعنته على أساس قومي ولا قبلي، فالحاكم في سيناريو ادارته في المستقبل القريب هو المرجعية السياسية والتبعية السيادية، مع الأخذ بالاعتبار أجندات القوى الكبرى التي تحاول ترتيب ملامح سورية القادمة.

إن مراكز القوى السياسية ذات المرجعية السيادية أو الثورية التي ستتنازع على إدارة منبج في الأيام والأشهر القادمة مرتبط عضويا بتطور سيناريوهات الهيمنة والفعاليات السياسية على أرض الواقع، هذا الواقع السوري – العراقي – التركي المضطرب وشديد التحول.

أولا: قوات سورية الديمقراطية التي سيطرت عسكريا على منبج ستكون المعنية بالإدارة، هي نفسها المتهمة بحملها لواء مشروع (قومي كوردي)، سواء تحت مسمى مناطق "الإدارة الذاتية"، أو مشروع فدرالية الشمال السوري الفضفاض. هذه القوات مرجعيتها الحالية والرئيسية تعود لقيادة يساروية (ثورية) ذات ذهنية سياسية متحولة وطوباوية، تستقر في جبال قنديل وتدير المعارك على الأرض من خلف الستار، عبر قادة مقاتلين متطوعين ذات خبرة قتالية عالية، ينسقون مع قوات التحالف الدولي بوضوح، ومع قوات السلطة في دمشق بوضوح أقل. وفي المحصلة لايمتلكون رؤية سياسية ناضجة وواضحة المعالم والأبعاد لشكل سورية المستقبل، سوى إطلاق جملة من المصطلحات العامة، كفدرالية الشرق الأوسط، كانتونات، كومينات للادارة المحلية، تآخي الشعوب ... لكن لا يمكن لمنبج بأي شكل من الأشكال أن ترتبط بمرجعية جبل قنديل ومركز (قيادة ثورة الشرق الأوسط) الكائن في مثلث إلتقاء الحدود الدولية لتركيا وإيران وإقليم كوردستان العراق، بل من حق منبج أن تتبع في الفترة القريبة القادمة سياديا وإداريا (عاصمة) ما، فليس لقوات سورية الديمقراطية عاصمة بالمعنى السياسي – السيادي، وبالتالي الحضري – الفيزيائي الملموس. وعلى مستوى أوسع لايمكن لمشروع الادارة الذاتية الديمقراطية ولا لمجلس سورية الديمقراطية أن يستمرا كقوة سيادية وإدارية على الأرض بدون مرجعية كوردستانية أو إقليمية، كما ليس بمقدور هذا المشروع الجديد أن يعيد صياغة بنية متماسكة ومركزية لجغرافية سياسية وسيادية جديدة بدون مدينة تكون عاصمة  لهذا المشروع، وهذا ما لم يتوفر بعد، خاصة أن مديني قامشلي والحسكة تداران فعليا من قبل حكومة دمشق. وما سيزيد الوضع تعقيدا أن قوات سورية الديمقراطية لن تتبرع بإدارة المناطق التي تحررها ميدانيا لأي جهة أخرى.   كما يجب الأخذ بعين الإعتبار أن بعض المعلومات الميدانية والخبرية تؤكد مشاركة قوات أمريكية خاصة في العملية، وقيمت واشنطن عملية تحرير منبج بأنها مرحلة متقدمة للتحرك نحو تحرير الرقة وتثبيت التحالف مع قوات سورية الديمقراطية.  في حين نقلت مصادر تركية ما هو مخالف لذلك، ونسبت إلى البنتاغون أن واشنطن تؤكد على أن إدارة منبج ستعود للأهالي المدنيين، وتعدها مدينة عربية تاريخيا. 

ثانيا: الطريق السالك بين أربيل ومنبج لن يكون له أي ترجمة ومعادل سياسي أو سيادي ملموس على الأرجح، حيث أن حكومة أربيل على خلاف أيديولوجي وسياسي عميق مع حزب العمال الكوردستاني وبالتالي المنظومات التي تهتدي بخطها الأيديولوجي - السياسي كمجلس سورية الديمقراطي من جهة، كما يعاني المشروع القومي الكوردستاني بقيادة أربيل من إبتعاد واضح عن مستجدات الواقع السريعة من جهة أخرى، حتى باتت منظومة شبه رومانسية تعوم فوق معطيات الواقع السياسي والعسكري، فضلا عن قراءتها المشهد بمنظور حزبي. فالعلاقات التجارية والإجتماعية شبه مقطوعة مع المناطق الكوردية في سورية، ولم تتمكن أربيل من عقد مؤتمر قومي كوردستاني أو حتى تجميع الكورد في سورية والعراق تحت خيمة واحدة، على أساس برنامج الحد الأدنى، حيث أن الكونفدرالية أو الاستقلال يتطلبان ترتيبا وتنسيقا عالي المستوى ضمن البيت الداخلي الكوردي. من جهة أخرى نجد أن الدعم الأوروأمريكي لأربيل لا يتجاوز سقف المعونات العسكرية لمواجهة داعش، ولا يترافق مع فلسفة سياسية جديدة تمهد لإعادة ترتيب أو صياغة الخارطة السياسية للمنطقة، بهدف تحقيق توازن بين دور أربيل العسكري الحالي ومكانتها السياسية والسيادية في المحصلة.

ثالثا: لم تتبلور قوى قبلية أو مجتمعمدنية سورية في منبج أو غيرها من المناطق التي تنظفها قوات سورية الديمقراطية من داعش، كما هي الحال في المناطق العراقية، لتقوم ببناء علاقات سياسية مع أربيل أو أنقرة. وفي المحصلة غياب المشروع الوطني الديمقراطي السوري، وتوزعه على مرجعيات متعددة، لايشجع على الإفتراض بان أهالي منبج وفعالياتها سيتواصلون مع حكومة عنتاب (حكومة إئتلاف قوى المعارضة)، أو قوى المعارضة المحلية في حلب وإدلب، بل يستشف من الواقع وعلى وقع إنهيار البنى والروابط الاجتماعية والسياسية المحلية، أن منبج كرمز ومفتاح للمدن العربية الخارجة للتو من تحت سيطرة داعش ستعاني من حيرة وتردد في التبعية السياسية والإدارية، وإن إدارة قوات سورية الديمقراطية لها ستكون مؤقتة، برسم الأمانة، مع عناد متوقع لتمسك القادة الميدانيين بها.

أخيرا: في ظل غياب المشروع الوطني السوري الموحد، وفي سياق إنكماش المشروع القومي – الوطني الكوردستاني وتوزعه على مسارين مختلفين ومتناقضين تماما، وعلى ضوء إنحسار الدور التركي أيضا في الشمال السوري، وتراجعه امام أجندات كل من إيران ورورسيا، فإن مستقبل منبج الموضوعي هو الارتباط من جديد مع دمشق. صحيح أن الطريق البرية غير سالكة حاليا بين منبج ودمشق، ولكن الصحيح أيضا أنه في حال تأمين شرق وجنوب شرق منطقة الباب، حسب التحركات العسكرية اللاحقة، فإن إحتمال الربط البري بين منبج ودمشق عبر مناطق شرق وجنوب شرق حلب بات محتملا وممكنا.  إن المشهد الجيوسياسي عقب تحرير منبج يفصح عن أن، ما هو أهم من الربط الجغرافي في هذا السياق، هي الروابط الإدارية والسياسية التي لم تنقطع بين دمشق وسائر مناطق سورية، فخلايا حزب البعث وما تبقى من عناصر استخبارات النظام مستيقظة وستتنشط، بالتالي سيترب على عودة منبج إلى سيادة دمشق تحول جذري وكبير، يكمن في إرتباط معظم مناطق الإدارة الذاتية (الكوردية) في شمال سورية بريا مع دمشق، كما سيعد الربط الجغرافي الحالي بين منبج وأربيل مجرد طريقا آمنا لنقل إمدادات التحالف الدولي. 

فثمة إحتمال على أن بيضة منبج ستجر معها كل سلة الإدارة الذاتية إلى قن نظام الحكم في دمشق بصيغة أكثر شفافية، وبذلك ستتحول إلى مجرد إدارة ذاتية (إفتراضية) تمهيدا لتسهيل حل المسألة السورية ولرسم ملامحها الرئيسة في ظل تفاهم روسي – تركي – ايراني وما يشبه تأمل فلسفي وأيديولوجي أوروأمريكي.

حمّل هذا الموضوع كملف PDF

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب