في عام (1989) وإثر إشتداد الأزمة اللبنانية ومرور خمسة عشرة سنة على الحرب الأهلية اللبنانية عقد في السعودية مؤتمر "الطائف"، وأثمر عن تثبيت أبرز أسس نظام الحكم في لبنان المعاصر، ثمة من يفترض أن مؤتمر الرياض الذي أنهى أعماله قبل أيام، سيكون "طائفا" جديدا لسورية.
ما أود التوقف عنده في البدء، وفي سياق قراءة أولية لسياقات المؤتمر ومخرجاته، أن سورية اليوم ليست لبنان الأمس، فكل المعطيات والظروف والمعادلات قد تغيرت، فالوضع السوري معقد لدرجة أنه من المجازفة المراهنة على هذا المؤتمر أو أي مؤتمر آخر في إيجاد حل سريع، يضع حداً للكارثة السورية المستمرة. إن رفض النظام المستمر لأي مبادرات سياسية، وكذلك تشتت المعارضة وتشرذمها وانقسام ولاءاتها بين العواصم الاقليمية والدولية، بأجنداتها وأهدافها المختلفة، والتي تترجم في ترسيخ السلطات والمصالح بين منظمات مسلحة داخل سورية، بدلا عن العمل من أجل حرية وكرامة السوريين بعد عقود من الظلم والاستبداد والفساد، كل ذلك يساهم موضوعيا في تأجيل الحلول وتعقيدها.
كما أن ما يقلل فرص النجاح أيضا، هو أن منظمي مؤتمر الرياض قد وقعوا في خطأ استراتيجي كبير، عند إهمالهم للطرف الكوردي والكوردستاني، الذي لم يكن موجودا ولا فاعلا على الساحة في العقود والسنوات السابقة، بل كان محطما ومنسيا، في حين أن الكورد فاعلون اليوم، ويعدون أحد القوى الإقليمية الرئيسة على الأرض، سواء داخل سورية أم في محيطها.
وفي سياق متصل، قد سبق لي وقلت بصوت عالي في تموز عام 2011 عبر قناة "الجزيرة مباشر" ومن داخل قاعة مؤتمر الدوحة المنعقد حول الإنتفاضة السورية، وأود التذكير به من جديد: "يخطأ من يسعى لتهميش الكورد ضمن المعادلات السياسية، فمن الصعوبة تحقيق أي منجز سياسي أو تغيير جيواستراتيجي في سورية والعراق خارج إرادة الشعب الكوردي، وبدون الإقرار بحقه الكامل في تقرير مصيره السياسي، بما فيه بناء دولته المستقلة..."
وبعد أن أتم مؤتمر الرياض مهمته، ومن خلال القراءة الأولية للبيان الختامي، وتفحص المشهد السياسي المتفاعل مع نتائجه، يمكن تسجيل الملاحظات الأولية التالية:
1- إن التمثيل السياسي الكوردي قد تعرض لتغيير شديد، وهو بصيغة ما يحتاج إلى إعادة الهيكلة، فالموازين قد إختلفت على الأرض في السنوات الأخيرة، كما أن بعض الشخصيات الكوردية، ونتيجة لجملة من العوامل، باتت غارقة في أنانياتها الشخصية والحزبية، ولم تعد تميز بين حضورها لوليمة عشاء، أو لمؤتمر يقرر مصير شعوب المنطقة، فالحضور الرمزي لبعض ممثلي الأطراف الحزبية الكردية كأعضاء لوفد الإئتلاف، لا يعبر عن المشاركة الكوردية الحقيقية، ولا يمكن الرهان عليها.
2- في جزئية الاعتراف بالقضية الكردية وضرورة حلّها، يمكن القول أن بيان مؤتمر الرياض سجل تراجعاً واضحاً حتى عن أوائل الوثائق المشتركة بين الحركة الكردية وأطراف المعارضة الديمقرطية، كإعلان دمشق للتغيير الديمقراطي الذي صدر قبل عشرة أعوام، وحينها كانت القبضة الأمنية الاستبدادية لنظام البعث في أوج قوتها، ولم يكن تغيير النظام مطروحاً أصلا، وكذلك وثائق الائتلاف السوري نفسه.
3- إن القراءة السعودية للمشهد السياسي في سورية وجوارها لم تكن بالمستوى المتوقع، بل جاءت تحت تأثير ردود أفعال آنية، وبالتالي ذهبت بعيدا عن الموضوعية وإنزاحت نحو تبني بعض التصورات والأوهام السياسية الخاصة، وهذا ما لا نريد للقيادة السعودية الحالية أن تقع فيه، بل نأمل منها مزيد من التروي والحكمة في قراءة الواقع السوري عموما، والكردي في سوريا ومحيطها خصوصا.
4- إن الكثير من الجماعات المسلحة، والتي أعطيت فكرة حول عددها في المؤتمر وقدرت بحوالي (1200) فصيل باتت عبئا على الدول العربية وخاصة الخليجية منها، ولم تعد قيمة سياسية أو استراتيجة مضافة لأي منها، فبات من الضروري التفكير في تفكيكها وإعادة تأهيلها سياسيا، وليس العكس في القيام بتعويمها وتضخيم دورها.
5- في ذات المحور، كيف سيتم بناء دولة مدنية بهذه السرعة بوجود هذا الكم الهائل من المنظمات والفصائل المسلحة المتناحرة!؟
6- إن التركيز على هوية سورية الأيديولوجية "العربية" و شكل الدولة المركزية الصلبة هو خطأ جسيم لن يكتب له النجاح بأي شكل من الأشكال، وعلى عكس ما يروج له إعلاميا، باعتباره هدفا سياسيا يوحد السوريين، فهو شعار أيديولوجي يوهم السوريين ويزيد من تباعدهم.
أخيراً إذا كان هنالك من يعتقد أن رفع شعار "الدولة المدنية" وعنونة المرحلة بإسمها، هو طريق الخلاص والجرعة السحرية لعلاج معضلات سورية الأساسية، وقد مررها بخفة وشطارة، فهو متوهم تماما، فقد بات مصطلح "الدولة المدنية" الفضفاض يعاني الكثير من الإشكال في تفسيره، فضلا عن الكساد في تسويقه. فبالنسبة للنخب الكوردية الواعية وطلائعها السياسية الخبيرة، لم يعد توصيف الدولة وتسميتها هو المهم وإنما الأهم هو كيفية تأمين الحقوق القومية المشروعة والسيادية للشعب الكوردي، فقد سبق ولأول مرة أن حصل أكراد العراق على الحكم الذاتي بموجب قانون الحادي عشر من آذار عام 1970، في ظل دولة يقودها نظام الحزب الواحد، وتحكمها طبقة عسكرية بقيادة أحمد حسن البكر، علما أن هذه الخطوة شكلت الأساس القانوني ومهدت للإدارة الفدرالية الراهنة في كوردستان العراق، فقد حقق نظام الحزب الواحد وقيادته العسكرية منجزا سياسيا تاريخيا لأكراد العراق، بصرف النظر عن المآسي التي سببها ذلك النظام غير "المدني" للكورد لاحقا، في حين تعد الدولة التركية المتعددة الطوابق، والتي يتم وصف الطابق الظاهر فيها "بالدولة المدنية والعلمانية"، السلطة – الدولة الأكثر إضطهادا ومعاداة للشعب الكوردي، فقد تم إبادة مئات الآلاف من الكورد جسديا في ظلها، كما يتم الإبادة المعنوية والثقافية لملايين آخرين بدمجهم وترحليهم الى المتروبولات التركية في غرب الأناضول، وتتلكأ عاما بعد آخر في إيجاد حل للمسألة الكوردية. إذن لا يهم المواطن السوري عموما والكوردي خصوصاً الشعارات حول شكل دولة سورية القادمة، ولا تهمه عناوينها وشعاراتها النظرية، بقدر ما يهمه ما سيتم توفيره من عدل وحقوق سياسية على أرض الواقع. وبحكم التجارب الكوردية الطويلة والمريرة مع أنظمة المنطقة السابقة، لم يعد مهما بالنسبة لنا من سيحكم سورية مستقبلاً، وإنما الأهم، الجوهري والمطلوب يتلخص في رفع الظلم التاريخي عن كاهل الشعب الكوردي، وتأمين حقوقه القومية السيادية المشروعة، وتثبيتها دستوريا وتوثيقها دوليا، عندها الأمر سيان إن حكم سورية الأخوة في "جماعة الأخوان المسلمين" أم رفاق من "الضباط العلويون"، بعد إزاحة مجموعة السلطة المسؤولة مباشرة عن الجرائم والمجازر التي ارتكبت بحق المدنيين السوريين طوال الأعوام الخمسة الماضية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



