رووداو ديجيتال
انطلقت في العاصمة الصينية بكين، وداخل "قاعة الشعب الكبرى"، فعاليات الحدث السياسي الأهم والأكبر لهذا العام في الصين؛ اجتماعات "الدورتين" (lianghui)، حيث من المقرر مناقشة واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية للبلاد لعام 2026، وللسنوات الخمس المقبلة.
اجتماعات هذا العام ليست مجرد عرض سياسي تقليدي، بل تمثل نقطة تحول جوهرية؛ إذ تتزامن مع إعلان "الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين (2026-2030)"، التي ترسم خارطة الطريق للوصول إلى قمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومواجهة الأزمات والتحديات الدولية.
ما هما "الدورتان"؟
يُطلق هذا المصطلح على اجتماعين لمؤسستين مختلفتين تشكلان معاً ركيزتي النظام السياسي في الصين:
المجلس الوطني لنواب الشعب (NPC): وهو أعلى سلطة تشريعية في البلاد، ويضم نحو 2,900 عضو. وتتمثل مهامه الرئيسية في إقرار القوانين والميزانية وتعيين كبار المسؤولين.
المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (CPPCC): هيئة استشارية تضم أكثر من 2,100 عضو من الشخصيات البارزة، رجال الأعمال، وممثلي المكونات المختلفة، لتقديم مقترحات وتوصيات إلى الحكومة.
يأتي هؤلاء المشاركون من مدن وبلدات وأقاليم الصين الـ31، بمشاركة ممثلين عن الجيش والعلماء والشخصيات العامة، ويتم اختيارهم من قبل أجهزة الحزب الشيوعي الصيني، وليس عبر انتخابات ديمقراطية مباشرة.
وبينما يدير الحزب الشيوعي الصيني الحكومة باعتباره الحزب الحاكم الوحيد، توجد 8 أحزاب سياسية أخرى، لكنها لا تملك أي حق في القيادة أو إدارة الدولة، بل تعمل كمراقبين ومستشارين يقدمون رؤاهم للحزب الحاكم خلال هذه الاجتماعات.
وفيما تُصنف هذه اللقاءات داخل الصين كـ "حدث سياسي مفصلي"، تصفها وسائل الإعلام الغربية بأنها اجتماعات "لبرلمان صوري" (Rubber stamp parliament)، في إشارة إلى أن القرارات الجوهرية تُحسم مسبقاً من قبل المكتب السياسي للحزب الشيوعي (CCP)، بينما تُعد هذه الاجتماعات مجرد منصة رسمية لإعلان التوجهات الصينية للعالم.
الاقتصاد
في تقرير عمل الحكومة، حددت الصين هدف النمو الاقتصادي لعام 2026 بنسبة تتراوح بين (4.5% إلى 5%). ويُعد هذا الرقم انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالعقود الماضية التي كانت تسجل نمواً بنسبة 10%.
أسباب خفض أهداف النمو الاقتصادي في الصين:
تباطؤ الاستهلاك المحلي: نسبة الإنفاق الاستهلاكي تبلغ 40% فقط، وهي أقل بكثير مقارنة بأوروبا وأمريكا، وتحاول الحكومة باستمرار تشجيع المواطنين على زيادة الإنفاق.
شيخوخة السكان ونقص القوى العاملة: هناك 320 مليون شخص في الصين تجاوزت أعمارهم 60 عاماً.
التحول النوعي: تريد بكين الانتقال من "النمو السريع" إلى "النمو عالي الجودة"، أي الاعتماد على الابتكار بدلاً من مجرد المصانع والتصدير.
أزمة العقارات: تعاني البلاد من أزمة طويلة الأمد في هذا القطاع، حيث يوجد نحو 280 مليون وحدة سكنية شاغرة أو غير مكتملة.
التكنولوجيا: الاستقلال في وجه العقوبات الأميركية
يُعد "الاكتفاء الذاتي التكنولوجي" أحد أكثر المواضيع سخونة في "الدورتين". فبسبب المنافسة الشديدة مع واشنطن والقيود المفروضة على وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة، خصصت بكين ميزانية ضخمة لتطوير (الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، الروبوتات، والحوسبة الكمومية). والهدف واضح: "تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية".
وفي حديث لرووداو، استعرض "لو جيانهوا"، عضو المجلس الوطني لنواب الشعب، خطة الصين في مجال الإنترنت قائلاً: "نتحدث عن أمور كثيرة، منها إنترنت الجيل السادس (6G) المتكامل بين الفضاء والأرض. أعتقد أن ذلك يعتمد على كيفية تعريفك لـ 6G. الحكومة الصينية لديها خطط ممتازة في هذا الصدد، ويمكننا وفقاً لخططنا تطوير المجالات التي تهمنا تدريجياً. كما تعلمون، الصين لا تدعم المنافسة غير العادلة أو القمع، ولن توافق أبداً على مثل هذه التصرفات".
الجيش والأمن: تشديد الرقابة
من الناحية العسكرية، تواصل الصين زيادة ميزانية الدفاع لتحديث جيشها؛ حيث رفعت الميزانية العسكرية لهذا العام بنسبة 7%، لتتجاوز 275 مليار دولار، وبذلك تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة.
وبالتزامن مع الاجتماعات، يجري الحديث عن حملات صارمة لمكافحة الفساد داخل المؤسسة العسكرية، أدت إلى استبعاد العديد من الضباط رفيعي المستوى؛ ويُنظر إلى ذلك كجهد من الرئيس "شي جين بينغ" لضمان الولاء المطلق للجيش للحزب الحاكم.
تراجع في "الشفافية"
لوحظ أن بكين شددت رقابتها الإعلامية؛ حيث اعتُبر قرار إلغاء المؤتمر الصحفي السنوي لرئيس الوزراء، والذي كان يمثل فرصة نادرة للصحفيين لطرح أسئلة حول سياسات الحكومة، إشارة إلى تراجع الشفافية وتشديد الخطاب السياسي.
إن اجتماعات "الدورتين" في عام 2026 ليست مجرد لقاءات روتينية، بل هي رسم لملامح "صين جديدة" تسعى للبقاء كقوة تكنولوجية واقتصادية عظمى وسط التحديات الداخلية والمنافسة الدولية. نتائج هذه الاجتماعات لن تحدد مصير 1.4 مليار صيني فحسب، بل سترسم مسار الأسواق العالمية أيضاً.



