منذ سقوط النظام السابق عام 2003، شكّل التيار الصدري بقيادة السيد مقتدى الصدر قوة شعبية لا يمكن تجاهلها في المشهد السياسي العراقي، فقد عمل بمنطلقين بين مقاطعة ومشاركة، وبين الانسحاب من البرلمان والعودة إلى الساحة عبر التظاهرات أو التحالفات غير التقليدية،وظل التيار الصدري يمارس دور "المعارضة من الداخل"، إن جاز التعبير. واليوم، تعود الأسئلة لتُطرح من جديد: هل سيشارك التيار الصدري في الانتخابات المقبلة؟ وما دوافع هذه العودة إن حصلت؟.
شارك التيار الصدري في جميع الانتخابات البرلمانية منذ 2005، محققاً نتائج متباينة لكن مؤثرة. وقد تصدّر نتائج انتخابات 2018 و2021، لكن المفارقة أن مقتدى الصدر أعلن لاحقاً انسحاب نوابه من البرلمان بعد أزمة تشكيل الحكومة، احتجاجاً على ما وصفه بـ"الانسداد السياسي". حينها، أعلن التيار رفضه للعملية السياسية، ما أثار جدلاً واسعًا حول مدى جدية هذا الانسحاب وصدقيته.
أما عن دوافعه المحتملة للعودة فبرغم من خطابه الإصلاحي، يدرك التيار الصدري أن الابتعاد الكامل عن العملية السياسية يفتح المجال لخصومه، خصوصاً قوى "الإطار التنسيقي"، لتعزيز نفوذهم في مفاصل الدولة. لذلك، فإن عودته المحتملة إلى الانتخابات قد تُقرأ بأنها ناتجة من ضغط الشارع، القاعدة الصدرية واسعة وموزعة على امتداد العراق، هذه القاعدة التي تطالب بتمثيل سياسي حقيقي يترجم حضورها إلى قرارات، وحسابات توازن القوى، وأن غياب التيار عن البرلمان يسمح بتعزيز هيمنة الخصوم السياسيين، ما قد يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية لصالحهم، بالإضافة إلى إعادة صياغة الخطاب، فالتيار الصدري بارع في التبديل بين دور المعارض والمشارك، وهو يستخدم الانسحاب كأداة تفاوضية، لا كقرار نهائي.
أما عن التحديات التي تواجه التيار فإن العودة إلى الانتخابات ليست بلا ثمن، فالتيار مطالب بالإجابة على تساؤلات الشارع حول تناقض الخطاب وكيف يمكن تفسير الانسحاب "لأسباب مبدئية ثم العودة في الانتخابات التالية؟.
وملف الفساد والخدمات خلال وجوده في السلطة، لم يتمكن التيار من تقديم نموذج إصلاحي حقيقي، والتشظي داخل القاعدة الصدرية فهناك بعض أنصار التيار الصدري يرون في التذبذب السياسي ضعفًا، ما قد يُفقده شيئًا من الزخم الجماهيري.
إذا قرر التيار الصدري المشاركة في الانتخابات المقبلة، فستكون مشاركته محورية، لكنه لن يعتمد فقط على الخطاب القديم، بل سيعمل على تقديم نفسه كـ"المنقذ الشعبي" في مواجهة التي يسميها قوى الفساد والتقاسم الطائفي، مع إدخال بعض التعديلات على خطابه السياسي لإضفاء طابع أكثر "مؤسساتية" وأقل "عاطفية"، وفي ظل الانقسام السياسي، تبقى مشاركة التيار الصدري في الانتخابات القادمة ورقة شديدة التأثير، سواء استخدمها للمشاركة أو للمقاطعة، فهو يملك قدرة كبيرة على تغيير ميزان القوى داخل البرلمان وخارجه.



.jpg&w=3840&q=75)