يبدو ان الولايات المتحدة الأميركية قد سلمت مهام عملها في العراق الى فرنسا قبل انسحابها من العراق بحلول 31 كانون الأول 2021، عملية تسليم واستلام وفق سياقات وتفاهمات سياسية من وراء الستار في تبادل للأدوار والمواقع! فرنسا تتولى الشؤون العراقية ولو بشكل مؤقت، بينما تتفرغ أميركا للصين.
وهذا يبدو واضحا من خلال الاهتمام غير الطبيعي للرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" بالعراق ونشاطاته الدبلوماسية المكثفة فيه وآخرها حضوره في مؤتمر قمة بغداد للتعاون والشراكة المنعقد في 28 آب 2021 والذي قال عنه ماكرون انه "مؤتمر تاريخي، وهو بمثابة انتصار بحد ذاته" وأكد أن بلاده "ستبقي على قواتها في العراق في إطارعمليات مكافحة الإرهاب ما دامت الحكومة العراقية تطلب ذلك، وبغض النظر عما تقرره الولايات المتحدة" وهذا يعني فيما يعنيه ان السياسة الفرنسية تختلف عن السياسة الأميركية في العراق وان المرحلة القادمة ستكون اكثر انفتاحا وشمولا واكثر تناغما مع مكونات العراق.
فالرجل لم يكتف بتوطيد علاقاته مع النخبة السياسية في العراق بل توجه نحو شرائح المجتمع الدينية والاجتماعية، فزارالمناطق الشيعية ومرقد الامام الكاظم وبرفقة رئيس الوزراء "الكاظمي" وفي أربيل التقى بعائلة الشهيد هوجام السورجي الذي ذبحه الإرهاب الداعشي وفي الموصل زار جامع "النوري" السني وكنيسة "الساعة" التي دمرها "داعش" أيام احتلاله للمدينة واعلانها عاصمة لخلافتها المزعومة.
ربما ادركت أميركا مكانة فرنسا المرموقة ورئيسها الشاب لدى العراقيين السنة والشيعة والكورد ومقبول الى حد كبير لدى الإيرانيين رغم ان فرنسا دعمت "إحالة ايران الى مجلس الامن التابع للأمم المتحدة بسبب رفضها تخصيب اليورانيوم".
ولدى فرنسا علاقة تاريخية ممتازة مع الشعب الكوردي وقادته القدماء والجدد، يكفي انها هي التي "أسهمت في إصدار قرار فرض منطقة حظر طيران عام 1991" لمنع النظام البعثي الدموي من ارتكاب مجازر بحق الشعب الكوردي على غرار القصف الكيمياوي وعمليات الانفال التي ذهب ضحيتها مئات الالاف من الأبرياء .
ولولاها لظل الحصار الشامل الجائر الذي فرضته حكومة "حيدر العبادي" على إقليم كردستان جوا وبرا بعد قرار الإقليم لاجراء الاستفتاء عام 2017 يقضي على حياة الكثيرين من الناس . وقد اثنى رئيس إقليم كوردستان "نيجيرفان بارزاني" على فرنسا ورئيسها ماكرون "الصديق " كما يصفها دائما لدوره "في معالجة المشاكل ولولا دوره لكانت الأمور تتعقد اكثر وبالأخص بشأن الخلافات بين بغداد واربيل".
ومن الانصاف القول انه لولا حنكة نيجيرفان بارزاني وسرعة تحركه نحو فرنسا لطلب المساعدة لتوسعت رقعة الصراع ولظل الشعب الكردي يعاني اكثر من عقوبات بغداد، وكان من الممكن للرئيس ماكرون ان يزور مدينة الموصل وسنجار التي يقطنها الازيديون دون ان يمر على اربيل عاصمة إقليم كوردستان ولكن لا يمكن ان تكتمل أي زيارة للعراق دون المرور بأربيل والالتقاء بقادته، وهكذا كان .. هبطت طائرة الرئيس ماكرون في مطار أربيل الدولي وكان في استقباله رئيس إقليم كوردستان "نيجيرفان بارزاني" ومجموعة من المسؤولين الكبار مرحبين بالضيف الكبير، وبدوره أشاد "ماكرون" بالشعب الكوردي وقادته في مواجهة الإرهاب وقال بانه جاء "لأجدد لكم دعمي ودعم فرنسا، مثلما جددنا دعمنا للإزيديين".



