لطالما كان الشرق الأوسط ساحة صراع لا يهدأ تُرسم حدوده بدماء أبنائه وتُوزع ثرواته وفقاً لمصالح الدول الكبرى وتُفرض عليه تسويات لا يُؤخذ رأي شعوبه فيها، بل يُعاملون كمجرد بيادق في لعبة السياسة الدولية.
الشعوب المضطهدة في هذه المنطقة لم تكن يوماً طرفاً حقيقياً في تقرير مصيرها، بل كانت دائماً خاضعة للمتغيرات الإقليمية والدولية تُوظّف قضاياها حين تقتضي الحاجة، ثم تُترك لمواجهة مصيرها المحتوم وحدها عندما تتغير الأولويات.
ان الكُورد في الشرق الأوسط مثالٌ صارخ على هذا التناقض المستمر، فقد قيل عنهم إنّ لهم "كياناً شبهَ مستقلٍ" في إقليم كوردستان العراق، لكن الحقيقة أنهم لم يحصلوا إلاّ على مساحة جغرافية مشروطة بالولاء السياسي للقوى الإقليمية والدولية، وتحت تهديد مستمر، سواء بالإغراءات أو بالقصف أو بالضغوط الاقتصادية والسياسية.
وكيف يمكن الحديث عن كيان مستقل بينما الاقتصاد راكد، بل منهار منذ عقدٍ كامل، حتى ان الشباب عاجزون عن تكوين أسر، والأمية بحسب الاحصاءات الأخيرة في ازدياد حتى تجاوزت مستوياتها في مناطق الحكومة المركزية؟ كيف يكون هناك استقرار في ظل سلطة فاسدة تهيمن عليها الأحزاب الحاكمة التي لا تكترث سوى لمصالحها الضيقة وتترك الشعب ليواجه أزمات متلاحقة؟.
وفي دليل جديد على السياسة الهمجية التي تستهدف العقول، فقد تم إقصاء أكثر من 35 ألف موظف حكومي في إقليم كوردستان، معظمهم من أصحاب العقول والخبرات الخلاقة في التعليم والصحة، القضاء والإدارة العامة، وذلك بضغط من وزارة المالية العراقية تحت ذريعة تطبيق قانون التقاعد. ولم يحدث في أي دولة في العالم أن يتم تسريح عشرات الآلاف من الكفاءات دفعة واحدة وبأثر رجعي غير قانوني، مما أدى إلى إحداث شلل في مؤسسات الدولة وإضعاف البنية الإدارية والتعليمية والصحية في القطاع العام الحكومي وترك فراغ لن يكون سهلاً سده في المستقبل القريب، وإن ما جرى لم يكن سوى إبادة إدارية تستهدف العقول المنتجة، وتحاول خلق طبقة جديدة من الموظفين التابعين خاملين بدلاً من هؤلاء الذين لديهم القدرة على البناء والتفكير المستقل واتخاذ القرار.
أما في سوريا فالوضع أشد تعقيداً حيث يتم التحكم بمصير الكُورد هناك عبر تدخلات إقليمية ودولية مستمرة، تُفرض عليهم التسويات ويُطلب منهم أن يكونوا ورقة ضغط حين تقتضي الحاجة، ثم يُتركون وحدهم في مواجهة حملات الإبادة والتشريد ، حتى القوى الكبرى التي رفعت شعار دعم حقوق الأقليات لم تكن سوى راعٍ لهذه الفوضى تستخدم القضية حين تريد، ثم تُسقطها حين تتغير المصالح والوقائع .
وما حدث مؤخراً حين دعا عبد الله أوجلان المعتقل إلى نزع السلاح، هو خير مثال على ذلك، فهذه الدعوة وإن بدت منطقية لمن يريد السلام بيدَ أنها لم تكن سوى انعكاساً لواقع مرير حيث يُطلب من المضطهدين دائماً تقديم التنازلات، بينما لا يُطلب من القوى الإقليمية وقف عدوانها العسكري ولا يُفرض عليها احترام حقوق الشعوب التي تحتل أراضيها وتطمس هوياتها.
إن السلام الحقيقي لا يُمكن أن يتحقق في ظل التهديدات المستمرة كما لا يمكن أن يكون سلاماً حقيقياً ما لم يُمنح الإنسان في هذه المنطقة حقه الطبيعي في الشعور بوجوده الذاتي: بلغته وبثقافته وبتاريخه دون أن يكون خاضعاً لسلطة الأمر الواقع التي تفرضها صفقات القوى العظمى.
كيف يمكن الحديث عن السلام بينما يتم تدمير الهوية؟ كيف يُطلب من الشعوب أن تتخلى عن نضالها من أجل حقوقها بينما لا يُطلب من القوى الإقليمية أن تتوقف عن عسكرة المنطقة؟.
نحن شعوب الشرق الأوسط كشعوب الغرب تماماً، لنا الحق في أن نحب الحياة ونريد أن نعيش بكرامة، لكننا محاصرون بحروب لا تنتهي وأزمات تُفرض علينا، وسياسات تجعلنا دائماً على شفا الحفرة والانفجار .
لم يكن النفط لعنة علينا إلا لأن العالم قرر أن يكون كذلك، فبدلاً من أن يتم استغلاله في تحسين مستوى المعيشة تحول إلى وقود للصراعات وغدت أرضنا سوقاً للسلاح تُباع فيها الأسلحة المحرمة وتُجرب فيها أحدث أدوات القتل بينما تبقى الشعارات التي تتحدث عن "حقوق الإنسان" مجرد حبر على ورق.
لماذا لا يأتي إلينا الغرب ليأخذ النفط والمعادن ويعطينا بدلاً منها أجهزة طبية وأدوية وبنية تحتية حديثة وبدلاً من القنابل والصواريخ المحرمة؟ فلماذا يُصرّ العالم على أن يبقى الشرق الأوسط في حالة فُوضى دائمة ولا يُعامل سكانه كبشر يستحقون العيش الكريم؟.
وإذا كان الحديث عن الحرية وحق تقرير المصير مجرد شعارات تُستخدم لفترة ثم تُركن جانبًا فلماذا تُرفع في أوقات معينة وتُطمس في أوقات أخرى؟ لماذا يتم تحريك الشعوب المضطهدة كلما احتاجت القوى الكبرى إلى أوراق ضغط ثم يتم التخلي عنها حين تتغير الأولويات؟.
فيا ترُى، هل نحن مجرد أدوات في لعبة المصالح محكومون بقرارات لا نملك منها شيئاً؟ وهل نحن شعوب خاضعة لاتفاقيات سرية تُرسم في العواصم الكبرى سواء كانت واشنطن وموسكو أو أنقرة؟ وهل يمكن أن نكون اليوم أمام تسوية ترمبية جديدة تُفرض علينا، رغم أنوفنا؟.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً