العهود و المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة يعطي لكل شعب الحق في تقرير مصيره، حيث جاء في المادة الأولى من الميثاق المذكور ما يلي: "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام".
هكذا تقول الفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق المنظمة الدولية، التي تجمع كل دول العالم، وفي نفس الوقت فإن الميثاق الذي يقر بحق كل الشعوب في تقرير مصيرها، فإن الأمم المتحدة تلزم كل الدول الأعضاء بترجمة هذا الميثاق عملياً وتطبيقه على أرض الواقع، فتقول المادة الرابعة من الميثاق: "العضوية في (الأمم المتحدة) مباحة لجميع الدول الأخرى المُحبة للسلام، والتي تأخذ نفسها بالالتزامات التي يتضمنها هذا الميثاق، والتي ترى الهيئة أنها قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات وراغبة فيها".
تم تثبيت الفيدرالية كنظام حكم في العراق بعد سقوط الطاغية صدام حسين في عام 2003، فكان إقليم كوردستان الذي كانت له حكومته شبه المستقلة منذ عام 1992 الإقليم الوحيد في العراق، وخصصت للإقليم ميزانية حسب الدستور العراقي، كما تم تثبيت مادة في الدستور، ألا وهي المادة 140 لحل مشكلة المناطق التي تم استقطاعها عنوة من الإقليم أثناء حكم حزب البعث في العراق، وتنص المادة على ما يلي:
أولاً: تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، بكل فقراتها.
ثانياً: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية، والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور، على أن تنجز كاملةً "التطبيع، الإحصاء، وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، لتحديد إرادة مواطنيها" في مدةٍ أقصاها الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول سنة ألفين وسبعة.
طبعاً وكما هو معروف للقاصي والداني، تهربت الحكومة العراقية من هذا الالتزام الدستوري ولم تطبق هذه المادة، على الرغم من أن المادة السالفة الذكر تتضمن ثلاث خطوات حسب نص واضح وصريح وغير قابل لتأويلات مختلفة، وهي التطبيع والإحصاء والاستفتاء في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها.
وقد تم وضع هذا الدستور وإقراره في استفتاء شعبي في يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر من عام 2005، وما زالت مواده كاملة، ومنها المادة 140، كما كانت من دون أي تغيير، وبإمكان أي شخص كان، أن يجد هذا الدستور في الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي على شبكة الإنترنت.
مضى يوم الاستفتاء من أجل استقلال كوردستان في 25 أيلول، كانت أغلب المواقف الدولية والإقليمية ضد إجراء هذا الاستفتاء، إلا أن إصرار القيادة الكوردستانية وتهافت الشعب الكوردستاني بكل مكوناته القومية والدينية على هذا اليوم، جعل العالم يغير من وجهة نظره عندما جاءت نتيجة التصويت بأغلبية ساحقة بنعم لكوردستان مستقلة.
بعض الدول الكبرى التي أبدت مواقف متصلبة، بدأت باستخدام لغة أكثر ليونة من اللغة التي كانت تُستخدم قبل إجراء الاستفتاء، لم يتم تنفيذ أي عملية عسكرية من قبل بعض الدول التي كانت تلوح بالخيار العسكري إن تم إجراء الاستفتاء.
الاتحاد الأوروبي دعا إلى حل المشاكل بين أربيل وبغداد عن طريق حوار جدي وبناء، القيادة الكوردستانية أبدت استعدادها لأي حوار مع أي طرف كان، خاصة مع بغداد، إلا أن الردّ المتشنج جاء سريعاً من قبل رئيس الوزارء العراقي، حيث أكد من خلال إطلالته الأسبوعية المعتادة على رفض نتائج الاستفتاء، وأوضح أنه لن يقبل بأي حوار حول هذا الموضوع.
نائب رئيس البرلمان الإيراني، طالب حكومة بلاده بعدم الانجرار إلى مواقف متشنجة ومبنية على الحساسية، وقال إنه تم إجراء الاستفتاء واتخذ شعب كوردستان قراره.
المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أكد أنهم لن يعترفوا بنتائج الاستفتاء، إلا أن علاقاتهم ستبقى مستمرة كما كانت في السابق مع هذه المنطقة من العالم.
وزير الطاقة الروسي قال إنه وعلى الرغم من إجراء الاستفتاء، إلا أن عمل شركة "غازبروم" الروسية سيستمر في إقليم كوردستان.
قبل إجراء الاستفتاء بيوم واحد، وفي لقاء مباشر مع إعلاميين أتوا من شتى بقاع الأرض، حيث كان هناك وجود لأكثر من 150 وسيلة إعلامية مختلفة، أكد الرئيس مسعود البارزاني، وبالعودة إلى تجربته في التعامل مع القوى والدول المختلفة، أنه عندما تمتلك القوة وتصبح أمر واقع ، في نهاية المطاف الجميع سيعترف بك.
شعب كوردستان صوت لصالح دولة كوردستان المستقلة، ووضع العالم أمام امتحان جديد، فإما أن تلتزم دول العالم من غربها إلى شرقها بالمواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها، وتعترف بالتالي بحق هذا الشعب العريق في تقرير مصيره، وبذلك تفتح الأمم المتحدة أبوابها أمام دولة جديدة، أو أن العالم هذا، نفس العالم الذي وضع هذه المواثيق وقام بتثبيت هذه الحقوق، سيقوم بإنكارها وتهميشها، ويضع بالتالي حوالي ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف إشارة استفهام -بعدد اللذين صوتوا في الاستفتاء- إزاء مصداقيتها وأمام الرأي العام العالمي، فتكون بذلك كوردستان من دون أن تصبح دولة، قد قوضت مصداقية جميع الدول.
العالم الآن أمام امتحان حقيقي لقيمه المتحضرة، أمام دولة مرتقبة اسمها كوردستان، فإما كوردستان دولة مستقلة معترف بها دولياً، أو أن كل تلك القيم السامية مجرد حبر على ورق.


.jpg&w=3840&q=75)
