في أحد أحياء بغداد، كان "أبو مصطفى"، وهو رجل ستيني، يتحدّث إلى جيرانه عشية الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات، قائلاً: "ما أعرف إذا راح أنتخب، شنو الفايدة؟ كلهم نفس الوجوه". هذه العبارة، على بساطتها، تُجسد في عمقها أزمة ثقافة انتخابية يعيشها الشارع العراقي منذ سنوات، أزمة تتأرجح بين فقدان الثقة، وضبابية الرؤية، وتاريخ طويل من التهميش السياسي.
منذ العام 2005، دخل العراق تجربة الانتخابات الحرة، بعد عقود من نظم استبدادية كانت صناديق الاقتراع فيها مجرد إجراء صوري لا يحمل أي دلالة سياسية حقيقية. لكن مع ولادة النظام الديمقراطي الجديد، توهّم الكثيرون أن الثقافة الانتخابية ستتغير تلقائياً، وأن المواطن العراقي سيمارس حقه بحرية ووعي. غير أن الواقع أثبت أن الديمقراطية لا تنمو بمرسوم، بل بثقافة وتراكم اجتماعي طويل الأمد.
في كل دورة انتخابية، تتكرر ذات المشاهد: لافتات حزبية منتشرة في كل زاوية، ووعود انتخابية كبيرة لا تلبث أن تتبخّر بعد إعلان النتائج، ومواطنون محتارون بين مقاطعة التصويت أو الرضوخ للواقع القائم. تشير الإحصاءات الرسمية أن نسبة المشاركة في انتخابات 2021 كانت حوالي 41% فقط، وهي نسبة منخفضة مقارنة بحجم الترقب الشعبي، لكنها تعكس أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات.
هذه النسبة لم تكن مفاجئة لكثير من المحللين. فبحسب تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس، فإن المشاركة المحدودة في الانتخابات لا تعود فقط لضعف الحملات الانتخابية، بل لاعتقاد سائد أن "كل شيء محسوم سلفاً"، وأن الانتخابات لا تغيّر من الواقع شيئاً يُذكر. البعض يرى أن الانتخابات تُدار عبر الولاءات العشائرية أو الطائفية، لا على أساس البرامج والخطط.
رغم هذه الصورة القاتمة، هناك إشارات متفائلة. خلال السنوات الأخيرة، بدأت تظهر مبادرات شبابية ومدنية تشجع على التصويت الواعي. في تشرين الأول 2019، خرجت احتجاجات شبابية تطالب بإصلاحات سياسية جذرية، ودفعت إلى تعديل قانون الانتخابات، وإنشاء مفوضية جديدة أكثر استقلالاً. وعلى الرغم من أن أثر هذه التغييرات كان محدوداً، فإنها أظهرت أن وعياً انتخابياً جديداً بدأ يتشكل، لاسيما بين فئة الشباب.
تقول "زينب"، طالبة جامعية وناشطة في إحدى الحملات التوعوية: "نحن جيل مختلف، ما ننتخب لأن فلان شيخنا أو ابن عشيرتنا. نريد ناس تفهم اقتصاد، تعرف تبني دولة". كلماتها تُلخّص التحوّل الذي بدأ يتغلغل في المجتمع العراقي، ببطء، لكنه ثابت.
في المقابل، لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية تدنّي الثقافة الانتخابية. فالدولة، بمؤسساتها وتشريعاتها، لاتزال عاجزة عن توفير بيئة سياسية صحية. الأحزاب الحاكمة غالباً ما تعيد تدوير نفسها بطرق مختلفة، مستفيدة من غياب الرقابة، وضعف التعليم السياسي، وتردي الخدمات، ما يكرّس شعور المواطن بعدم الجدوى.
الأمم المتحدة عبر بعثتها "يونامي"، ومؤسسات دولية كـ"اليونوبس"، حاولت منذ سنوات دعم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وتوفير ورش عمل ومبادرات مدنية تهدف إلى توعية الناخب العراقي. لكن هذه المبادرات تبقى محدودة ما لم تتكامل مع إرادة سياسية حقيقية لتغيير قواعد اللعبة.
اليوم، ومع كل استحقاق انتخابي جديد، يتجدد السؤال: هل أصبح الناخب العراقي أكثر وعيًا؟ أم أننا نعيد تدوير ذات الثقافة التي تقوم على الولاء لا على الكفاءة؟ الإجابة ليست بسيطة. لكن ما هو واضح، أن هناك صراعاً هادئاً يدور في عمق المجتمع: صراع بين ثقافة "القطيع"، وثقافة "المواطن المسؤول".
في النهاية، لا تكفي صناديق الاقتراع لتغيير الواقع، بل لا بد أن يسبقها صندوق الوعي. وإذا ما استمر الشباب، والنخب الواعية، والمؤسسات الحرة، في الدفع نحو انتخابات نزيهة ومشاركة مدروسة، فإن الثقافة الانتخابية في العراق ستنتقل من طور التقليد إلى طور النضج، ومن التلقين إلى التمكين.



.jpg&w=3840&q=75)