يحكى أنه في قديم الزمان كان شعب يعيش الطيبة والتسامح ، زمان البساطة والقناعة والرضى والمحبة ، ظلم من جيرانه وأعدائه ، كانت ارضه تحتضن عشرات الحضارات ويسكنها مختلف القوميات، وطن رائع وديع يأخذ الألباب غاباته تعانقت أغصانها وسحرت النفوس بجمالها الأخاذ، جباله الشاهقة وطيوره المغردة وهواء النقي وعيون جارية بمائها النمير، ارض خصبة تعطي لأصحابها حياة البهجة والفرح ، دخلها المستعمرون متفقون مع الجيران وحطوا عيونهم عليها دفعهم الحقد والطمع وقسموها الى اربعة اقسام وأصبح كل قسم تابع لجار ، وضاعت الارض وما زال الخيرين يطالبون بتوحيدها والجميع ينتظرون ذاك اليوم القريب .
يحكى أنه ظهر قائدا لأحد الاقسام بزغ مجده وسلطانه ووحد شعبه وأصبح له شأن وصولجان ، وقفته فيها جلال ووقار وعيناه فيهما طموح وتعالي ، بدأ يستمع له العالم وتحسب الدنيا لحركته الف حساب ، قائد همام وقف بوجه الاعداء ، بكل حكمة يتخذ القرار ، مخطط سياسي داهية واثق من نفسه ، اخلاصه لشعبه حير عقول السياسيين .
يحكى انه ابتلي بجار نصب له شراك الخديعة فحاربوه حتى لجأ الى دولة كبرى مع مقاتليه ولن تنال مبادئ الدولة من معتقده وتحرير شعبه وبناء الديمقراطية في وطنه وأرضه .
يحكى ان جاره شهد تغيرا سياسيا ومع هذه الاطلالة الجديدة ، عاد القائد الى ارضه مرفوع الرأس ، طمأن شعبه انه بخير ومعه قادة عظام يسهرون من اجل قضيتهم المشروعة ، قطعوا الطريق امام كل المؤامرات واستطاعوا بنجاح الحفاظ على وحده شعبهم رغم كل المحن.
يحكى ان جاره تأمر عليهم مرة اخرى بمساعدة احدى الدول ، لكن كانت رسالتهم لشعبهم مطمئنة وقاتِلَة لأعدائهم ولا يعرفون المساومة حتى في اصعب الظروف وأقساها ، وستبقى قضيتهم حية على مدى الايام ولن يتخلوا عن عقائدهم وقوميتهم .
يحكى انه كان لهذا القائد ابناً شابا رافقه النضال ، اتصف ببعيد النظر ، تعلم القيادة والتواضع من والده ، واضحاً في اهدافه، قوي الشخصية هادئا في حياته اليومية يحب المعرفة والعلم والتعليم واخذ من والده الحنكة والصبر ولا يتساهل مع اي من كان اذا قلل من شأن قضيته شعبه .
يحكى أن هذا القسم ابتلي بجاره المتآمر عليه ولم يرحم هذا الشعب فضرب أبنائه بغازات خانقة قاتلة وأنفل سكان القرى ، وطردوهم من ارضهم شر طردة وهجروهم وقتل من ابنائه آلاف.
بعد رحيل القائد دارت الايام وتعددت الاعوام ويحكى ان الشعب انتفض وأصبح لهذا القسم كيان وبرلمان واختار الشعب الشاب وأصبح قائدا وكان يدير دفته الحكم بحكة وعقل فينعتونه بصمام الأمان للمحافظة على وطنهم أمام كل المحن .
يحكى أن معه قادة مخلصون من مختلف شرائح ابناء الشعب كان لهم شأن وأصبح منهم رؤساء مشهورون جميعهم سياسيون محنكون ومفاوضون ماهرون ، امتزجت اسمائهم بعقود من النضال من اجل استقلال وطنهم وقفوا جمعيا صفاً مرصوصاً ضد كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن وطنهم وشعبهم .
يحكى ان القادة اصبحوا قادرون على التأثير في معطيات السياسية وباستطاعتهم اتخاذ قرارات قد تؤدي الى احداث تغيير جذري في الخريطة السياسية ، كمدافعين شرسين على حقوق شعبهم حريصين على الثوابت الوطنية والقومية مرسخين لمكانة ارضهم داخليا ودوليا مخلصين في نضالهم الذي جعلوه يحظى بثقة ابناء شعبهم .
يحكى ان اعداء جدد خلت قلوبهم من الإيمان والإنسانية دخلوا الارض واحتلوا جزء منها انقضوا عليهم جميعا وطردوهم من ارض الخير والمحبة ، ومِن القادة مَنْ استشهد ومنهم قدم ابنائه شهداء ، دحروا الاعداء بكل حزم وجسارة واحتضنت الارض مئات النازحين وأصبح وطنا للجميع فرشوا بساط الطمأنينة ، وسكينة الروح ، وهب الاصدقاء لمساعدتهم ونجدتهم لان الشعب مؤمن بالوطنية والديمقراطية والعدالة وحماية الاقليات ، وفي قلوب الناس جمعيا تسكن الأخوة .
يحكى انه عندما تعددت القيادات والبداية تبدأ بالخير والنهاية حزينة حال الافلام الهندية تبدأ بفرح ورقص وطرب وتنهي بمأساة ، الكل يقول أنا ، نبدأ منصورين لا نرضى بالهزيمة ولا نقبل بخسارة المبادئ والحريات .
يحكى انهم اختلفوا فيما بينهم كيف يختاروا قائدا جديدا ومن يكون ، ويحكى انهم لن يتفقوا .. ! وأصبحت الأنا وروح المنافسة والكل على صواب ، منهم مغرورون انانيون وآخرون معتزين بالذات وتمجيدها وإقصاء الاصدقاء ، يخاف بعضهم الأنا المندفعة والذي يغلو في الثقة بنفسه ، حذرين من الأنا الغير مبالية بالعواقب والابتعاد عن العقلانية التي قد تقذفهم جميعا الى مناطق الخطر والمجهول .
يحكى انهم احتاروا ، يسألون ويتهامسون مع بعضهم ماذا نعمل ، اتفقوا لاستشارة اهل العلم والمعرفة ، قرروا الذهاب للحكيم ليرشدهم للحل الصحيح ، جلسوا حوله وقص كل واحد منهم قصته ، سمع الحكيم ما يدور بخاطرهم ، فتحوا اذانهم ليسمعوا ما يقول .
قال الحكيم : يحكى ان كان في قديم الزمان وسالف العصر الاوان والي جديد استلم الحكم وجلس في مقر الولاية وهذا الوالي قليل الخبرة والمعرفة بأمور الولاية وأول قرار اتخذه الغاء بعض قرارات الوالي السابق وصدر بيان رقم واحد باستيفاء جزه عن كل عشرة خرفان ، فرح سكان الولاية ودقت الطبول ورقصوا الراقصين وكتب الشعراء الشعر يمتدحون الوالي الجديد وغنوا المطربين ، ولم تمضي ايام حتى صدر الوالي قرار جديد بيان رقم اثنان وينص القرار ان كل واحد من سكان الولاية عنده خرفان يدفع ضربة جزه وخروف ومن يخالف يعاقب بأشد العقوبات ، صحى السكان من غفوتهم وسلموا امرهم الى ربهم وقالوا : متعرف خيري إلا من تجرب غيري !
(الجزة : ما يجز من صوف الشاة )
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



