رووداو ديجيتال
يمكن اختصار فوز المرشح ماكرون لولاية ثانية بانه "فوز الفراغ السياسي" لان فوزه جاء نتيجة لانهيار وغياب الاحزاب التقليدية الفرنسية الكبيرة "الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي وبعض الحركات اليسارية"، اما زعيم اليسار الوسط الذي خرج عن وصايا الاشتراكية الاتحادي "ميلانشون" فلم يمثل الا هذا الشتات المتناثر، والمتقطعة أوصاله من الاحزاب الكبرى، التي افتقدت الى زعاماتها التاريخية.. جورج مارشيه زعيم الحزب الشيوعي، وفرنسوا متران زعيم الحزب الاشتركي.. ومن جاء من بعدهم من زعماء مؤثرين، مثل ميشيل روكارد، ويونيل جوسبان واخرون.
اكان من حظ المرشح الفرنسي الشاب امانوئيل ماكرون ان يدشن مشواره السياسي بفراغ سياسي حزبي كبير.. حتى وجد نفسه امام منافسة منبوذة، لاتتمتع بكاريزما السياسيين، اقامت حملتها الانتخابية على كراهية الأجانب من العرب والمسلمين والافارقة.. واسست لها حزب " التجمع الوطني" على انقاض حزب والدها جان ماري لوبين مؤسس (الجبهة الوطنية) ثم تتوج نفسها على الضد من ارادة والدها الذي نبذها، رئيسة لتجمعها الوطني، وهو تجمع يميني متطرف، شكل ظاهرة سياسية لا تليق بجمهورية (الحرية والاخاء والمساواة) ولا بعصر التنوير الذي اضاءت فيه فرنسا قلب القارة الاوربية، وانتهى الى اندلاع الثورة الفرنسية في 14 تمور عام 1789 .
كان تاريخ الانتخابات الفرنسية، تاريخا حزبيا بامتياز.. واليوم امسى هذا التاريخ عنصريا.. بمعنى انه قائم على الكراهية والمواقف والعواطف والحماس الفائض.. وليس على العقائد والآديولوجيات الوطنية، التي تعلن اهدافها وبرامجها وشعارتها، بثبات العقيدة لمعظم الاحزاب الكبيرة .
كانت انتخابات 2017، اول انتخابات تفتقد الى الحس الانتخابي المعروف، فماكرون في شعارات تجمعه "فرنسا الى الامام" لم يظهر كقائد وطني مؤثر.. انما كان موظفا برجوازيا استعلائيا، لا يمتلك رصيدا سياسيا من الخبرة والعمل والمواقف والمهارات سوى في عمله ببنوك ومصارف "مؤسسة روتشيلد" اليهودية ذات التوجهات المشبوهة، وهو الميال في شبابه الى الموسيقى والأدب.. فمن اين هبطت عليه هذه الموهبة السياسية، وسجله يبين ان اهم ما تقلده من مناصب تعيينه وزيرا للاقتصاد. ولو قارناه في شخصية السياسي جاك شيراك الذي تولى عمدة مدينة باريس، وزيرا للداخلية، وزيرا للمالية، ورئيسا للوزراء، ثم رئيسا للجمهورية.. هذا التدرج الوظيفي والسياسي مهم جدا في تطوير مهارات وقدرات السياسيين، وبالفعل كان شيراك مؤثرا حتى اصبح امتدادا للحركة الديغولية .
الثابت ان ماكرون لم يعتمد على عناصر مؤثرة في حركته "فرنسا الى الامام" وتقف الى جانبه زوجته واستاذته التي تكبره عمرا وثقافة ومكانة، اما الشباب المتحمس الذين حوله، فهم يرومون لعب دور سياسي جديد، فلم يجد من ينافسه في الخلافة، انما وجد امامه فرصا ذهبية، لم تتوفر لأي زعيم سياسي من قبله، في تاريخ الجمهورية الخامسة .
من المؤكد ان ماكرون صانع الفرص الذهبية، تقف وراءه ماكنة سياسية وإعلامية، على الرغم من هذا، فقد وقع في هفوات سياسية قاتلة طائشة.. مع الجزائر ولبنان وتركيا وايطاليا .
في الداخل، لم يفكر ابدا في اصدار قرارات تاريخية تضع حدا للعنصرية المتفشية، ولا حتى بتحريم العبارات العنصرية التي تستخدم يوميا في الهواء الطلق، اما نوابه (فرنسا الى الامام) في الجمعية الوطنية فلم يتقدموا يوما بمشروع لوقف الكراهية، مع هذا فقد فاز باصوات ما يقرب عن "خمسة ملايين" فرنسي اغلبهم من اصول عربية مسلمة، ربما بسبب كلمة واحدة محذرا ماري لوبين من ان موقفها من الفرنسيين من اصول اخرى، ربما يتسبب بحرب اهلية.


.jpg&w=3840&q=75)
