أكبر مؤامرة تعرض لها الشعب العراقي هي عندما تضامن العراقيون، أو تآمروا مع حكامهم ضد انفسهم.
بعد 23 عاماً على تحرير العراق من نظام شمولي دكتاتوري بالغ في قسوته، ودخول البلد في صراعات وفواجع حرب اهلية طائفية واغتيالات طالت العلماء والطيارين وكبار الضباط، وسلاسل التفجيرات، حتى ان ايام الاسبوع اخذت توصيفات دموية، السبت الدامي والاحد الدامي والاربعاء الدامي وما الى ذلك من التقويم الاسبوعي والتي كلفت العراقيين الالاف من الضحايا الابرياء، وتقاسم السلطات قومياً ودينياً ومذهبياً، واجبار الكفاءات المهنية على الهجرة وسيادة الفاسدين والمخربين وتنصيب ابناء العشيرة والعائلة كجيوش من المستشارين الفضائيين، نجد انفسنا ندور في ذات الدوامات وكأن شيئاً لم يكن من اجل الاستيلاء على المناصب على حساب البلد ومصلحة وحاضر ومستقبل الشعب.
من الغريب هنا ان نقول ان الشعب العراقي تآمر على نفسه وعلى حاضره ومستقبله عندما اعاد تدوير السياسيين الفاسدين عبر صناديق الاقتراع، ستقولون نتائج الانتخابات مزورة، وان المال السياسي لعب دوره في شراء الاصوات، والانتماءات المذهبية ساهمت في هذا الوضع، فنقول، ما هي نسبة التزوير؟ هذا لو سلمنا ان هناك تزويراً في نتائج الانتخابات، بالكاد لم تصل الى 1%، فهل من الممكن ان تغير هذه النسبة من اصوات الناخبين النتائج؟ ومن باع صوته بالمال السياسي؟ اليس هم الناخبون؟ عندما يرضى الناخب ان يبيع صوته مقابل 50 او 100 الف دينار، وهذه حقيقة وليس ادعاء، فهذا يعني انه باع نفسه وبلده، وعندما قال لي احد الناخبين الشباب من محافظة الانبار بأنه يمنح صوته لمن يدفع أكثر، صُدمت، وسألته ان نتائج الانتخابات تهم البلد ومستقبل ابنائك، سخر مني وقال: دعني اعيش اليوم واترك المستقبل لابنائي، وعقب ضاحكاً: اصلاً انا غير متزوج وما عندي ابناء.
الشعب تآمر على نفسه عندما لم يتضامن مع ثوار تشرين، وتركوا الشباب يُقتلون، اكثر من الف شهيد، ويتعوقون برصاص وقنابل (الطرف الثالث)، ايضاً سينبري لي من يدعي بأنه دعم التشرينيين وان هناك قطاعات شعبية واسعة كانت مع المنتفضين، ولو كان الامر كذلك، لو كان الشعب العراقي قد تضامن بالفعل مع التشرينيين، ولو بنسبة 2% لما تم احباط هذه الانتفاضة والتي كانت ستشكل علامة تاريخية فارقة في تاريخ العراق السياسي الحديث.
الشعوب هي التي تقرر مصيرها، ويبدو هذا الشعار المعتمد أممياً مثل اعلان لا قيمة له، وكأنه، عراقياً، اعلان عن مشروب غازي او مطعم او ماركة ملابس، لكنه في الحقيقة هو الثيمة الاساسية لأن تبقى الشعوب حية وبلدانها متطورة. لنأخذ الدروس من شعوب نهضت من الحرب العالمية الثانية، ألمانيا واليابان وايطاليا وانكلترا، مثلاً، فالخراب الذي حل في هذه البلدان كان كارثياً، لكن شعوبها اخذت على عاتقها بناء بلدانها ونبذ الافكار النازية والانطلاق الى الامام، ولم تسمح لأية سلطة سياسية او دينية ان تتحكم بمصائرها، وعندما يحدث ذلك ينتفضون بقوة لأن الأمر يعنيهم، ولأنهم ضحوا بالكثير من اجل وجودهم، لكننا للاسف في العراق نرفض ان نتعلم، ونرفض ان يقارن بلدنا بتجارب البلدان والشعوب الاخرى.
بعد مضي 23 سنة على تحرر العراق من النظام البعثي الشمولي ودكتاتورية صدام حسين وقساوة اجهزته الامنية كان علينا ان نطمر هذا التاريخ في الدرك الأسفل من الارض ولن نسمح لأي نظام سياسي ان يسرق تضحياتنا ويصادر حاضرنا ومستقبلنا من اجل ان يبقى على كرسي السلطة، وبدلاً من هذا مايزال هذا المتحكم بحياتنا يصادرنا باسم المذهب ويتباهى بعدد الأصوات التي منحها له الشعب الذي يشتمه ويكفر به ليل نهار، مازال هذا المتحكم، وهم كثر، من احزاب الاسلام السياسي وشيوخ عشائر وامراء مناطقيين، يهددون العراقيين بمؤامرات البعث المنقرض اصلاً قبل نهايته في 2003، بل ان ثلاثة مسلسلات تلفزيونية عراقية تعرض في رمضان حالياً تعتمد في حبكتها وحكاياتها على الممارسات الاجرامية لنظام البعث وتعرض صور صدام حسين على واجهة الشاشات.
بعد كل هذه السنوات والتضحيات الجبارة يخرج لنا سياسي متمسك بالسلطة ليضحي بمصلحة العراق والعراقيين من اجل المنصب، وآخر يجابه التهديدات الاميركية بفرض عقوبات على العراق بـ "الى جهنم" وان العراق مستعد لتحمل الحصار لاربعين عاماً وكأن العراقيين عبيد تابعين لهذا المسؤول او ذاك ومن حق هؤلاء بيعنا في سوق نخاسة السياسة البلهاء.
الشعب العراقي تضامن مع هؤلاء الساسة الذين سرقوا البلد وخربوه ومتمسك بهم بدليل بقائهم في السلطة باسم المذهب والقومية والعشيرة، شاب جامعي يكتب على صفحته في السوشيال ميديا "أنا شيعي وافتخر" فيتصدى له شاب جامعي آخر ليشتمه ويكتب "أنا سني وافتخر"، مع ان كليهما ضحية الساسة الشيعة والسنة، ضحية ساسة سرقوا المليارات ويقيمون في افخر القصور وابنائهم ينعمون بحياة مترفة خارج العراق، وهؤلاء الساسة هم الذين يشحنون افكار الشباب بهذه الافكار. لماذا لا يكتب الشيعي والسني والكوردي والتركماني والمسيحي "انا عراقي وافتخر"، وعليه ان يفتخر عندما يتحرر من افكاره الطائفية والاثنية وليتحرر من تلك المؤامرة التي يتضامن بها مع السلطة ضده. ضد الشعب. ضد نفسه.



