في لحظةٍ تبدو فيها خرائط الشرق الأوسط معلقة بين الفوضى والانتظار، يخرج إقليم كوردستان ليقدم نفسه ليس بوصفه منطقة تبحث عن مكان، بل كقوة تصنع مكانها وتفرض حضورها على طاولة يزدحم فيها الأقوياء ويغيب عنها المترددون. هنا، لا تُصنع الأدوار بالتمني، بل بالإرادة والوضوح والقدرة على تحويل الاستقرار إلى نفوذ سياسي حقيقي.
في منطقةٍ اعتادت أن يُدار مستقبلها من وراء الأبواب المغلقة، يظهر إقليم كوردستان اليوم كأحد اللاعبين القلائل القادرين على تغيير قواعد اللعبة. فبينما تتخبط عواصم الشرق الأوسط في أزماتها الداخلية وحروب النفوذ، يفرض الإقليم نفسه مساحة ثابتة، لا بوصفه تابعاً لمعادلات الآخرين، بل كقوة قادرة على إنتاج معادلات جديدة. هذا الحضور المتصاعد ليس مجرد حالة طارئة، بل مسار سياسي أرسته حكومة الإقليم والحزب الديمقراطي الكوردستاني بعمل متواصل ورؤية واضحة.
من يتابع حركة الوفود التي اتجهت إلى أربيل ودهوك يدرك أن كوردستان أصبحت مركزاً لا يمكن تجاهله في الحسابات الإقليمية. فالإقليم لم يعد مجرد محطة بروتوكولية، بل مكاناً تُصنع فيه تفاهمات وتُفتح فيه قنوات تتعثر في عواصم أخرى. هذه المكانة لم تُمنح للإقليم، بل فرضها عبر استقراره وسياساته المتوازنة وقدرته على أن يكون نقطة التقاء لا يتوافر بديل مشابه لها في الشرق الأوسط المضطرب.
وفي هذا السياق، شكلت كلمات الرئيس مسعود بارزاني خلال منتدى ميبس امتداداً واضحاً للرؤية التي رسخها منذ سنوات، رؤية تقوم على أن كوردستان لا تبحث عن دورٍ تكميلي بل عن شراكة حقيقية في صناعة مستقبل المنطقة. فقد شدد في كلماته على أن قوة الإقليم لا تأتي من السلاح أو الصفقات السريعة، بل من قيم الاستقرار وحسن إدارة العلاقات وبناء الثقة مع مختلف الأطراف. وجاء خطابه ليذكر بأن كوردستان، في أصعب لحظاتها، لم تتخل عن خيار الحوار، وأن هذا الخيار هو الذي جعل منها اليوم نقطة استقطاب سياسي ودبلوماسي يصعب تجاوزها.
وفي موازاة ذلك، جاءت كلمات رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، لتؤكد المعادلة الداخلية التي لا يمكن لأي طرف تجاهلها، لا استقرار في العراق من دون تفاهم حقيقي بين أربيل وبغداد. لم يكن ذلك مجرد توصيف للعلاقة الاتحادية، بل إعلان موقف صريح بأن الحلول الدائمة لا تُبنى على الأزمات المفتوحة، وأن الشراكة الدستورية هي الطريق الوحيد لمنع المزيد من الانقسام. وقدّم رئيس الإقليم رؤيته بوضوح؛ علاقة متوازنة تعترف بحقوق كوردستان وتُبقي باب التعاون مفتوحاً، لأن استقرار أحد الطرفين لا يكتمل من دون استقرار الآخر.
وليس من المبالغة القول إن وصف أربيل بأنها "جنيف الشرق الأوسط" لم يأتِ اعتباطاً. فالعاصمة الكوردستانية لم تعد مجرد عاصمة إقليم، بل باتت منصة سياسية تجمع خصوماً لا يجتمعون، وتتيح حواراً لا يجد مكانه في خرائط أخرى. هذا ما أشار إليه السياسي المحنك عثمان بايدمير بدقة، وهو توصيف يعكس واقعاً صنعته الإدارة السياسية في الإقليم بوعي وحسابات دقيقة.
وفي موازاة ذلك، جاءت إشادة القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي لتؤكد أن دور الإقليم تجاوز حدود العراق، ليتحول إلى لاعب مؤثر في الملف الكوردي الإقليمي وفي توازنات كوردستان سوريا. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكتفِ بإدارة شأنه الداخلي، بل فعل ما هو أصعب، فتح قنوات بين قوى متباعدة، وساهم في خلق مسارات تواصل لم تكن ممكنة لولا جهود ملتزمة وهادئة.
أما دهوك، فقد أثبتت خلال منتدى ميبس أنها ليست مجرد مدينة حدودية، بل مركز نقاش إقليمي حقيقي. جمع المنتدى قادة ومسؤولين من مستويات عليا، وتناول ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد بجرأة تعكس الثقة المتنامية بدور الإقليم. والرسالة هنا واضحة، كوردستان قادرة على أن تكون مساحة حوار تنتج أفكاراً ومقاربات جديدة، لا مجرد منصة استماع.
على مستوى بغداد، يدرك رئيس الوزراء الاتحادي محمد شياع السوداني أهمية العلاقة مع حكومة الإقليم، ليس من باب المجاملة، بل من باب الضرورة. فالتوازن الداخلي في العراق لا يستقيم دون وجود شريك مستقر وفاعل، وهو الدور الذي أثبتت كوردستان أنها قادرة على لعبه بمهارة. والحوار المستمر بين الجانبين يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الحلول لا تُنتزع بالقوة بل تُبنى بالتفاهم.
في المحصلة، يتشكل أمامنا مشهد جديد، إقليم كوردستان يخرج من دائرة التلقي إلى دائرة الفعل، ومن موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع المؤثر فيها. هذا الصعود السياسي والدبلوماسي لم يكن نتيجة ظرف مؤقت، بل نتاج رؤية واضحة وإرادة سياسية فرضت حضور الإقليم على الطاولة الإقليمية والدولية.
ورغم أن الشرق الأوسط لايزال غارقاً في تعقيداته، إلا أن تجربة كوردستان تطرح خياراً مختلفاً، خيار الاستقرار القادر على إنتاج دور، والانفتاح القادر على بناء ثقة، والدبلوماسية الهادئة التي تتحول (حين تحسن قيادتها) إلى قوة حقيقية.
وفي لحظة تعيش فيها المنطقة بين ضجيج السلاح وارتباك العواصم، يبدو أن صوتاً جديداً يرتفع من العاصمة أربيل. صوت يقول إن السلام ليس رفاهية ولا حلماً مؤجلاً، بل مسار يمكن أن يبدأ من هنا، من قلب كوردستان، إذا توفرت الإرادة والقدرة والرؤية.
