قرار المحكمة الاتحادية العراقية بخصوص نفط إقليم كوردستان قرار هام، ولا يشمل قطاع الطاقة بكوردستان وحسب، بل يحمل وجهاً سياسياً لدرجة عالية ويهدف إلى إضعاف مكانة وخفض مستوى السيادة القانونية والدستورية لكيان إقليم كوردستان. نعرض في أدناه توضيحات ومقترحات نأمل أن ينتفع منها أصحاب السلطة في إقليم كوردستان في اتخاذ القرارات:
مقدمة مهمة وتاريخية
تشكلت المحكمة الاتحادية العراقية بموجب القرار رقم 30 لسنة 2003. حينها أصدر مجلس الوزراء قرار تشكيل هذه المحكمة وصادقت عليه هيئة رئاسة الجمهورية آنذاك. القرار صدر في ضوء المادة 44 من قانون إدارة الدولة الذي كان حينها بمثابة الدستور. معلوم أن قرار تشكيل المحكمة الاتحادية قرار غير دستوري، لأنه لم يكن هناك دستور ولا برلمان منتخب عند تشكيلها، وقصة تشكيل المحكمة الاتحادية تعود إلى المرحلة التي كانت فيها السلطات العراقية تندرج في إطار نقل السيادة والسلطة من أميركا إلى العراق، وكانت سلطة تسيير أعمال لملء الفراغ لحين كتابة الدستور، حينها صدر قرار تشكيل المحكمة الاتحادية في فترة حكومة إياد علاوي الانتقالية.
حدد نص قرار تشكيل المحكمة الاتحادية العراقية، بموجب المادة الخامسة من البند الأول، أسلوب تصويت أعضاء المحكمة، حيث يقضي بأن يكون إصدار القرارات بالأغلبية البسيطة (أي 50% + 1) وبهذا يستطيع خمسة أعضاء من أصل أعضاء المحكمة التسعة أن يصدروا قراراً ما.
أما إذا كان القرار يخص الأقاليم والحكومة الاتحادية، فيجب أن يصدر بتصويت ثلثي أعضاء المحكمة عليه، أي ستة أصوات من أصل تسعة. لن ينفع أي من طريقتي تصويت أعضاء المحكمة الكورد، لأنهم أقلية تتكون من عضوين فقط، وفي حال صدر قرار ضد الكورد لن تكون هناك إمكانية لمنع إصداره.
بعد كتابة الدستور وإقراره في العام 2005، كان على مجلس النواب العراقي، بموجب المادة 92 الفقرة الثانية، أن يصدر قانون المحكمة العليا الاتحادية بتصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب لصالحه، وفي هذا حصانة دستورية مهمة للشعب الكوردي تمنع مجلس النواب من تشكيل المحكمة الاتحادية رغماً عن إرادة الكورد. بموجب الفقرة الثانية من المادة 92 من الدستور العراقي، يتألف أعضاء المحكمة الاتحادية من:
- عدد من قضاة المحاكم
- خبراء في الفقه الإسلامي
- خبراء في القانون
وحسب الدستور، لن تبقى تركيبة المحكمة على صورتها الحالية، وإلى جانب القضاة يجب أن تضم خبراء في الفقه الإسلامي وفي القانون. لكن من جهة أخرى لم يحدد الدستور طريقة التصويت وعدد أعضاء المحكمة الاتحادية، وترك هذا الأمر لمجلس النواب. في العام 2021، حاول مجلس النواب إصدار قانون المحكمة العليا الاتحادية، لكون أعمال المحكمة معلقة بسبب غياب اثنين من أعضائها بسبب المرض والتقاعد، وبموجب القانون كان النصاب اللازم لعقد جلسات المحكمة وإصدار القرارات مفقوداً. من جانب آخر، كان قرار إجراء انتخابات نيابية مبكرة قد صدر، وكان تنفيذه بحاجة إلى وجود المحكمة الاتحادية لكي تصادق على نتائج الانتخابات، وبعد أخذ ورد كثيرين، لم يكن أي من الطرفين الشيعي والسني مستعداً لقبول مطلب الكورد الخاص بطريقة تصويت أعضاء المحكمة الاتحادية، وكانوا يريدون أن تبقى بصورتها الحالية، الأمر الذي دفع الكورد إلى استخدام الحصانة التي منحتها المادة 92 من الدستور، التي أشرنا إليها في أعلاه، وأخلوا بالنصاب فعجز مجلس النواب عن عقد جلسته، ما أجبر مجلس النواب العراقي على تعديل قرار تشكيل المحكمة الاتحادية القديم، وهكذا فشل مجلس النواب العراقي في إصدار القانون الجديد للمحكمة الاتحادية إلى الآن.
توجد الآن فرصة سياسية أمام الكورد تتمثل في اتخاذ إصدار قانون المحكمة الاتحادية العليا شرطاً لمفاوضات تشكيل الحكومة، بدلاً عن المناصب والمحاصصة، بشرط أن يكون ثلاثة من أعضاء المحكمة من الكورد، إن كان عددهم تسعة، ليكون لنا فيتو تصويت ثلثي المحكمة.
الحلول والمقترحات
أولاً:
قرارات المحكمة الاتحادية قطعية ولا يطعن فيها. هذه الحقيقة المرة صحيحة قانونياً. لكن سياسياً وعلى أرض الواقع، ليس القرار باتاً وقطعياً، فلو كان هناك اتفاق سياسي، ستعمد المحكمة بنفسها إلى تغيير قرارها أو إبطال رأيها عند التعاطي مع ملف آخر، والدليل على هذا هو صدور العديد من القرارات القطعية والباتة في السنوات الماضية بخصوص مسائل عدة، ثم أصدرت المحكمة فيما بعد قرارات تخالف قرارها السابق. مثلاً، في موضوع الكتلة النيابية الأكبر التي قررت المحكمة في وقت سابق تحديدها في الجلسة الأولى لمجلس النواب وتسجيلها لغرض التكليف بتشكيل الحكومة، لكن في الفترة الأخيرة تراجعت المحكمة عن قرارها ذاك معلنة أنه ليس لزاماً تسجيل الكتلة الأكبر في الجلسة الأولى بل يمكن تسجيلها بعد انتخاب رئيس الجمهورية أيضاً. لكن ولأن قانون المحكمة لم يصدر حتى الآن بموجب الدستور، يجب أن يكون شرط الكورد للحوار والتفاوض بشأن تشكيل الحكومة هو الاتفاق على إصدار قانون المحكمة الاتحادية بحيث يكون عدد ممثلي الكورد في فقرة تصويت الثلثين ثلاثة قضاة يتم اختيارهم من قبل مجلس قضاء إقليم كوردستان، وبهذا ستثبت حصانة الكورد في المحكمة لصالح إقليم كوردستان، ويستطيع هؤلاء:
1- إلغاء قرارات المحكمة الاتحادية.
2- في حال لم يستطيعوا ذلك، يستطيعون تكييف وتعديل تلك القرارات.
سيناريو تنفيذ الفكرة الواردة في أعلاه:
يجب أن يقوم نائب كوردي، أو أي شخص آخر، برفع دعوى في المحكمة الاتحادية ضد القانون رقم 101 لسنة 1976، كونه قانوناً صدر قبل إصدار الدستور، ويقضي الدستور بإصدار قانون جديد للنفط والغاز. من جهة أخرى، أصدر مجلس النواب العراقي قانون شركة النفط الوطنية رقم 4 لسنة 2018، ويشير هذا القانون إلى نفط إقليم كوردستان ووزارة الثروات الطبيعية لإقليم كوردستان، ووكيل وزارة الثروات الطبيعية عضو في مجلس هذه الشركة الاتحادية. ما يعني أن قانوناً اتحادياً، يقر بنفط إقليم كوردستان ويمنحه الحق في كامل النشاط النفطي.
ثانياً:
لتحقيق التوازن السياسي والضغط الدستوري والقانوني، يجب أن يشكل الكورد غرفة قانونية من خبراء في القانون والقضاء لخوض المعركة الدستورية والقضائية، وأن يتخذوا من بعض الملفات المهمة، كالتي سنشير إليها في أدناه، مادة لمواجهة المحكمة الاتحادية والدستورية. هذه الملفات ستخلق ضغطاً سياسياً ودستورياً وتمثل مادة للضغط في المفاوضات والتفاهمات.
أولاً: رفع دعوى على مجلس النواب في المحكمة الاتحادية للسؤال عن سبب عدم تشكيله "مجلس الأقاليم".
ثانياً: رفع دعوى على رئيس الوزراء الأسبق لإقدامه على حرمان إقليم كوردستان من حصته من الموازنة العامة الاتحادية.
ثالثاً: رفع دعوى على الحكومات السابقة والحالية بسبب عدم تنفيذها المادة 140 من الدستور.
رابعاً: رفع دعوى على وزارة الخارجية لعدم فتحها ممثليات للإقليم في السفارات والقنصليات العراقية.
خامساً: رفع دعوى على الحكومة لعدم صرفها رواتب وميزانيات قوات بيشمركة إقليم كوردستان، والمطالبة بتلك الميزانية وبتعويضات.
سادساً: رفع دعوى على الحكومة لعدم تقديمها أي تعويضات لذوي المؤنفلين وضحايا الضربات الكيمياوية.
سابعاً: رفع دعوى على الحكومة ووزارتي المالية والتخطيط الاتحاديتين، لعدم تخصيص حصة لإقليم كوردستان من القروض الاتحادية التي تم الحصول عليها.
ثالثاً:
1- تقويض شرعية المحكمة: معلوم أن شرعية المحكمة ليست مجرد شرعية دستورية وقانونية، بل تأتي هذه الشرعية في نفس الوقت من مقبولية قراراتها عند الرأي العام والسياسي. تتألف هذه المحكمة من الكورد والشيعة والسنة، وبهذا حظيت بالشرعية السياسية والجماهيرية. فإن أمكن أن يعلن عضوا المحكمة الكورديان استقالتهما ويعلنا للرأي العام أن أعضاء المحكمة لا يصدرون قراراتهم بحيادية وأنهم يصدرون قرارات بالضد من الدستور، سيفتح هذا باباً جديداً على القضية من الناحية السياسية. صحيح أن هناك أعضاء احتياط للمحكمة سيملأون الفراغ الذي تسببه استقالة هذين العضوين، لكن المحكمة ستتحول عملاً إلى محكمة طائفية وتفقد بعدها الوطني الأمر الذي سيمثل بداية للتفكير في إصدار قانون للمحكمة الاتحادية. لأن مجلس النواب أقدم في العام 2021 على تعديل قرار تشكيل المحكمة الاتحادية بعد فشله في إصدار قانون للمحكمة الاتحادية.
2- من الناحية السياسية والإعلامية، يجب أن توضح للرأي العام حقيقة أن هذا القرار ليس موجهاً ضد إقليم كوردستان وحده، بل هو ضد البصرة والأنبار أيضاً، فكما هو معروف تطالب جماهير البصرة وقسم من محافظات جنوب العراق منذ سنوات بتشكيل إقليم لها، أو على الأقل المضي باتجاه نوع من نيل الصلاحيات واللامركزية، وهذا القرار سيحرمهم مستقبلاً من ممارسة النشاط النفطي في مناطقهم ليبقوا تحت رحمة ما يخرج من جيب المركز مع بقاء جيوبهم خاوية. على نفس المنوال، القرار معاد للسنة أيضاً فقد تبين أن صحراء الأنبار تضم احتياطياً ضخماً جداً من الغاز، وهذه المناطق في طريقها نحو نوع من اللامركزية وقد أجهض هذا القرار أحلام هؤلاء أيضاً.
خبير قانوني



