في بيوت كوردستان، ينهض الفجر مثقلاً بالهمّ، فموظف ينتظر راتبه ليشتري رغيفاً، وأمّ تؤجّل موعد شراء الدواء لطفلها، وشاب يعلّق حلم الزواج لأنه لا يملك ثمن غرفة صغيرة، فالراتب هنا لم يعد ورقة نقدية، بل أصبح خبزاً مؤجّلاً ودماً مُعلّقاً في شرايين الحياة.
منذ عام 2014، عندما قطعت بغداد حصة الإقليم من الموازنة، تحوّلت الرواتب إلى ورقة سياسية تُلعب بها حياة الناس. واليوم، بعد أكثر من عقد، لايزال أكثر من مليون ومائتي ألف موظف رهائن لعبة النفط والإيرادات، ينتظرون ما قد يُؤمن لهم لقمة العيش.
في الأشهر الماضية، أُغتيل راتب كانون الأول وتأخرت رواتب الشهور الثلاثة الأخيرة من آذار وحزيران وتموز، فانطلقت احتجاجات وإضرابات تضج بالصمت المتعب للمعاناة اليومية. أمام مبنى الأمم المتحدة في السليمانية، افترش المعلمون الأرض، رافعين لافتات كتب عليها: "نحن لا نريد شيئًا سوى حقنا في الحياة"، كصرخة عاجزة تعبّر عن ألم شعب يرفض أن يُقهر من أجل لعبة سياسية لا ترحم.
لكن المأساة تتجاوز حدود الجوع، فقد ارتفعت الديون العائلية إلى مستويات غير مسبوقة، حتى بات كثير من الموظفين يستدينون لشراء أبسط الحاجات، فتتراجع كرامتهم مع كل دين يُضاف إلى آخر. وتفاقمت المعاناة الاجتماعية، فازدادت نسب الطلاق بسبب الضغوط المالية، وتحولت الخلافات حول "مصروف البيت" إلى صراعات تهدم البيوت وتزرع القلق في النفوس.
في المقابل، اندفع آلاف الشباب نحو الهجرة، تاركين وراءهم أسراً تترقب أخبارهم بين البحر والحدود، تبحث عن بصيص أمل وسط العتمة. أما الأسواق المحلية، فحدث عنها ولا حرّج، فقد خبت فيها أصوات الباعة وتعثرت حركة البيع والشراء، حتى صار التاجر مثل الموظف، أسير الانتظار، يترقب صرف الرواتب ليستعيد لدكانه نبض الحياة وكرامته اليومية الضائعة، وكأن كل يوم بدون الراتب يطوي صفحة من وجوده وكرامته."ومن هنا فالمسؤولية مزدوجة: نعم، فإنّ بغداد قصّرت حين ربطت الرواتب بمصير النفط، وحجبت مليارات الدنانير رغم أنّ الدستور ينصّ على أنّ الرواتب "حق مقدس لا يُمس"، لكن هذا الدم المقدّس يتوقف عن الجريان كلما علّقته السياسة في أقبية بغداد، وكلما ربطته الحكومة الاتحادية بملفات النفط والمساومات.
أجل، فلقد حوّلت بغداد الراتب من حقٍّ مقدّس إلى ورقة ضغط، ومن عقدٍ دستوري إلى سكينٍ مسلّط على أعناق البسطاء، وأيُّ ظلمٍ أكبر من أن يُختزل الدستور في لعبة أرقام، فيما يختنق الناس جوعاً؟ ويدفع الضريبة فقط الذي ينتظر راتب الشهر ليشتري لأطفاله رغيف الخبز لا الذين يستفيديون وهم معهم سائرون.
من هنا، فإنّ الحكومة العراقية في بغداد، بتقصيرها المتكرر، جعلت من الدستور ورقاً لا يحمي مواطناً، وربطت لقمة العيش بخيوط السياسة والنفط. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة هنا، أيُّ دولةٍ تلك التي تُجازف بجوع شعبها لتربح معركة سياسية؟ وأيُّ عدالةٍ تلك التي ترى طفلاً ينام جائعاً ولا تتحرك؟.
وإذا كانت بغداد قد قصّرت في أبسط واجباتها، فإنّ على حكومة الإقليم أن تثبت أنّها سند المواطن لا شاهدة على دموعه. عليها أن تُضيء طريق الشفافية في إدارة مواردها، خصوصاً النفط، وأن تطبق العدالة الضريبية على الجميع بلا استثناء، فتتحوّل السلطة من مجرد حكم بالأرقام إلى قوة تحفظ الكرامة اليومية للناس، ويجب أن تبحث عن بدائل تحفظ خبز المواطن وكرامته ولو مؤقتاً، فالخبز لا يعرف الانتظار، والجوع لا يُؤجَّل بالوعود. وعند تقسيمه، ينبغي أن يكون العدل هو المعيار، والحدود واضحة، بحيث لا يُظلم أحد ولا يُستغل أحد آخر. وهنا، في هذا الالتزام بالحق والعدل، تتجلّى حقيقة الإدارة الرشيدة: أن تكون حصناً يحمي الإنسان، وقوة تقف على قدمي القانون، ورحمة تعانق الضعيف، وواجباً لا يتراجع أمام كل قلب ينتظر رغيفه وكل عائلة تبحث عن شعاع أمل يضيء ظلام أيامها.
ومن هنا، ووسط هذا الجرح، يحسّ صوت ثالث -حسب إعلام رئاسة الإقليم- أنّها لم تقف موقف المتفرج؛ بل حملت الملف إلى بغداد، ودفعت باتجاه اتفاقات مؤقتة، وأكدت أنّ الراتب ليس مِنّة من أحد، بل حق دستوري وأخلاق، ساعية خلالها الضغط عبر القضاء والبرلمان الاتحادي لفرض التزامات بغداد؛ فضلاً عن تحريك الجهود الدبلوماسية لإظهار أنّ قطع الرواتب جريمة إنسانية تُستخدم كسلاح سياسي ضد شعب بأكمله.
وبقي أن نقول إن تأخير الراتب ليس مجرد خطأ محاسبي، بل هو نقص في الإنسان وغياب للأمان، إنه صوت يُخفت في مغيب الحياة حين يطفئ الجوع نور الكرامة. فالأزمة اليوم ليست مجرد خلاف مالي؛ بل مأساة وجودية تمزّق نسيج المجتمع، إذ صار الجوع وجهاً يومياً، والهجرة جرحاً عميقاً في الجغرافية، والديون قيوداً تلتف حول الرقاب. وإذا كانت بغداد قد حوّلت الراتب إلى ورقة مساومة سياسية، فإن أي تقصير من حكومة الإقليم في بناء بدائل يزيد من قسوة اللعبة.
بين المطرقة والسندان، تقع على عاتق رئاسة كوردستان مسؤولية أن تكون الصوت الذي يصرخ باسم الناس، محوّلاً الراتب من أداة إذلال إلى جسر للكرامة والأمان. وعندما تتمكن من ذلك، سيكون نجاحها واضحاً: رفع صوت القمع الداخلي في بغداد، فرض العدالة، وإعادة الماء والخبز والحياة إلى قلوب شعب ينتظر. ومع ذلك، يظل الطريق طويلاً وشاقاً، مليئاً بالتحديات التي تحتاج إلى إرادة حقيقية وشفافية كاملة، ليظلّ الأمل حاضراً في كل رغيف يُقسم بعدل، وفي كل قلب ينهض رغم الجوع، وفي كل يد تمتد لإنقاذ الحق والكرامة.



