هذه المرة، أجد في نبرة خطاب السيد نيجيرفان بارزاني رئيس اقليم كوردستان العراق، أنها تحمل بين ثناياها شيئًا يتجاوز حدود الدبلوماسية والسياسة المباشرة؛ إنه بالفعل شيء يشبه إلى حد كبير كدعوة هادئة لإعادة ترتيب الوعي قبل إعادة ترتيب وتصفيف المواقف المختلفة. وأعتقد أنه لهذا السبب قد تبدو تصريحاته الأخيرة بمثابة خريطة ذهنية لطبيعة المرحلة، لا مجرد مواقف عابرة حول الخلافات بين أربيل وبغداد وآفاق السلام الإقليمي.
فبالرغم من الخلافات بين الأطراف الكوردستانية، نجد نيجيرفان بارزاني يتعامل مع تلك المواقف والخلافات بمسافة واحدة ويذكر الجميع بأن مصلحة الجميع يجب أن تكمن ولا تتعارض مع مصلحة كوردستان، لأن كوردستان هي السقف الأعلى. هنا قد تبدو وللوهلة الأولى أن عبارته هذه بسيطة، ولكن معناها – في التحليل السياسي – في غاية الدقة والعمق. إذ تُظهر التجارب المقارنة في إدارة المناطق الفدرالية أن التنازع الداخلي يجعل الإقليم أقل قدرة على التفاوض، وأقل مرونة في مواجهة الضغوط المركزية. أجد نفسي هنا أستعيد مفهوم Collective Rationality الذي يشير إلى أن المصلحة الجمعية لا تتحقق إلا بحدٍّ أدنى من التماسك السياسي، مهما تباينت المدارس والأولويات. وحتى حين يقول نيجيرفان بارزاني هذا الكلام بنبرة هادئة، فإنها قد تحمل بين طياتها قلقًا واضحًا: وذلك لأن كوردستان، في لحظة إقليمية مضطربة، تحتاج إلى أصوات متقاربة، لا متقاطعة. ولا تحتاج إلى "مبدأ النعامة والحفرة".
ثم يأتي محور العلاقة بين أربيل وبغداد. إذ يبدو أن نيجيرفان بارزاني يرى بوضوح ودقة تامة أن بغداد تتعامل مع الإقليم بطريقة غير دستورية. وهذا ليس اتهامًا سياسيًا بحد ذاته وإنما هو توصيف لبنية الحكم في العراق، التي غالبًا ما تتأرجح بين النصوص الدستورية والتفسيرات السياسية والمواقف المتباينة والتصريحات الصاعدة والنازلة. هنا نستطيع القول إن الدولة الاتحادية في العراق مع الأسف ما زالت تعاني من غموض في توزيع الصلاحيات، والغريب أنه غالبًا ما تُستخدم المواد الدستورية كأدوات تفاوض بدلاً من أن تكون مرجعًا ثابتًا. ولا أخفي أن هذه الإشكالية لطالما تثير لدي سؤالًا منهجيًا: هل المشكلة في النص، أم في العقل السياسي الذي يتعامل معه بالقطعة؟ أو ربما في الاثنين معًا.
وإذا انتقلنا إلى التصريح الثالث للرئيس نيجيرفان – «إذا حل العراق مشاكله يمكنه أن يتقدم كثيراً» – نجد أن البارزاني لا يتحدث هنا من زاوية كوردستانية ضيّقة، بل يرى ويراقب المشهد من منظور وطني شامل. فالعراق بلد يملك كل ما يجعله قوة إقليمية كبرى: الموقع، الثروات، الطاقة البشرية. لكنه مع شديد الأسف مكبّل بسلسلة طويلة من الأزمات البنيوية. وأعتقد أن هذه العبارة ليست مجرد حلم أو تمنٍّ، بل قراءة عميقة لعلم السياسة المقارن: الدول التي تحل مشكلاتها الهيكلية تنتقل من حالة الجمود إلى حالة القفز، كما حدث في تجارب شرق آسيا. العراق قادر على ذلك. لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية أكثر مما يحتاج إلى موارد.
أما النقطة الأخيرة في خطاب نيجيرفان بارزاني، والمتعلقة بخطوات ومواقف تركيا و pkk نحو عملية السلام، فهي تفتح بابًا حساسًا في المعادلة الكوردية الإقليمية برمتها. فالمسار – وإن كان أوليًا وهشًا – يؤثر مباشرة على كوردستان العراق، سواء عبر تخفيف الضغوط العسكرية أو عبر إعادة تنظيم ميزان النفوذ في المناطق الحدودية. في بعض قراءاتي للصراعات الطويلة، وجدت أن أي انفتاح نحو السلام، حتى لو كان جزئيًا، يمكنه أن يحوّل جغرافيا كاملة من مسرح صراع إلى مساحة إدارة مشتركة، وهذا ما يلمّح إليه رئيس الإقليم عندما يؤكد أهمية مراقبة هذا المسار بعين باردة وعقل براغماتي.
مسك الختام، أجد أن تصريحات نيجيرفان بارزاني ليست فقط خطابًا سياسيًا اعتياديًا، بل هي تصطف واحدة مع الأخرى في أجندة يحاول من خلالها ترتيب الأولويات في لحظة مربكة. وعلى هذا الشاكلة والترتيب: "دعوة للوحدة"، "نقد لخلل العلاقة مع المركز"، "إصرار على أن العراق قادر على النهوض"، و"إشارة ذكية إلى فرصة سلام إقليمي قد تغيّر الكثير". إن كل هذا وذاك ليست رؤى منفصلة، بل خيوط متشابكة في نسيج واحد: استقرار كوردستان لا يمكن عزله عن استقرار العراق، ولا عن اتجاهات المنطقة، ولا عن انسجام البيت الداخلي. وهذا ما يجعل كلماته، مهما بدت هادئة، تحمل وزن الجبال خلفها.



