ليس الجدل حول الوجود الكوردي في كوردستان سوريا نقاشاً أكاديمياً نظرياً معزولاً، بل هو معركة سياسية بامتياز، تُستخدم فيها الرواية التاريخية أداةً لإسقاط شرعية شعب كامل. فالادعاء بأن الكورد "طارئون" أو "وافدون" إلى هذه الأرض لا يمثل خطأً معرفياً فحسب، بل هو خطاب سياسي مقصود، يفتقر إلى أي سند تاريخي موثوق، ويهدف إلى تبرير سياسات الإقصاء والتهميش.
تؤكد الوثائق العثمانية، والسجلات الفرنسية، والمصادر العربية المتعددة، أن الكورد شكّلوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والجغرافي لهذه المنطقة منذ قرون طويلة، أي قبل نشوء الدولة السورية الحديثة بوقت طويل. إن وجودهم في هذه الجغرافية أقدم من الدولة نفسها، وأعمق من الخطابات التي صيغت في القرن العشرين لخدمة مشاريع مركزية سعت إلى نفي مكوّن أصيل وتهميشه. إن تجاهل هذه الحقيقة لا يغيّرها، بل يكشف نية واضحة لإعادة كتابة التاريخ بما يخدم مصالح سياسية آنية.
وعند الحديث عن عائلات كوردية عريقة الجذور، مثل عائلة آل مرعي آغا من عشيرة سيبكا الكوردية، فإن الأمر لا يقتصر على استعراض عاطفي، بل هو تذكير بوقائع تاريخية ملموسة. اكثر من ستة قرون من الاستقرار، وجود المقابر التاريخية، والوثائق المادية التي تحتفظ بها العائلة، المعالم التاريخية، تشكّل شواهد حيّة على حضور الكورد واستقرارهم في هذه المنطقة. هذه الوقائع وحدها تكفي لدحض كل الادعاءات التي تصوّر الكورد كـ"طارئين" أو "دخيلين".
تتجلى هذه السياسات الإقصائية بصورة أكثر وضوحاً، فقد سعى حزب البعث إلى طمس تاريخ هذه العائلة عبر سلسلة ممنهجة من الممارسات العنصرية، شملت مصادرة الأراضي، وتغيير الهوية القسرية، بما في ذلك إزالة لقب "الآغا" من أسماء أفراد العائلة، وما رافق ذلك من انتهاكات لا يتسع المقام لسردها كاملة.
الأخطر من ذلك أن خطاب الإنكار لا يظل حبيس الماضي، بل يُعاد إنتاجه في الحاضر ليهيّئ الأرضية لسياسات تهميش جديدة. فمن يُنكر الجذور، يُنكر الحقوق، ومن يشكك في التاريخ، يسعى عملياً إلى نزع المشروعية السياسية والقانونية عن مطالب الكورد كشعب أصيل في هذه البلاد. ولا يقتصر أثر ذلك على البعد الرمزي، بل ينعكس مباشرة على الحقوق المدنية والسياسية، وعلى فرص المشاركة العادلة في بناء الدولة.
إن الإصرار على إنكار الوجود الكوردي لا يخدم وحدة سوريا، بل يقوّضها من أساسها. فلا دولة يمكن أن تُبنى على إقصاء مكوّن تاريخي، ولا استقرار يمكن أن يتحقق فوق أرضية من إنكار الحقائق. وحده الاعتراف الصريح بالتعددية التاريخية، وبأن الكورد جزء أصيل من هذه البلاد، يمكن أن يشكّل قاعدة صلبة لأي م
شروع وطني حقيقي.
وباختصار، ليست القضية مجرد روايتين متقابلتين، بل هي صراع بين حقيقة تاريخية مثبتة وادعاءات سياسية تسعى إلى محوها. ومن يصرّ على تجاهل الوثائق والشواهد المادية لا يدافع عن الوطن، بل عن وهم سياسي أثبت فشله مراراً، ويقوّض فرص التعايش والاستقرار في سوريا.



