يا صديقي، كنتُ أظن أن الانتخابات لعبة سلسة ولطيفة، يشبه فيها المرشحون لاعبي السيرك: يقفزون، يبتسمون، يلوّحون، يهرجون، يرقصون، يختفون، يحاضرون، يخاطبون… ثم يعود كلّ واحد منهم إلى بيته بكرامة مهزوزة قليلًا… لكن بسلام. لكن يبدو أننا في بقعة أخرى من العالم، بمعزل عن السرب الديمقراطي، بل وحتى في موسم آخر، موسم يضحك حتى الخراب منه، وتبكي منه السخرية، كأن الواقع قرر أن يستعرض مهارته في العبث.
فأول القصص المضحكة والمبكية، بدأت بهدوء غامض… مرشّحة لم يمنحها الناس أصواتهم، فقررت أن تمنحهم الظلام بدلًا عنها. أزالت الأعمدة والمحولات الكهربائية التي نصبتها خلال حملتها، وكأنها تقول لهم: "إن لم تُصوّتوا لي، فلن تروا النور". تخيّل المشهد… الرافعات تقلع الأعمدة والعمال يسحبون الأسلاك.
ثم جاءت القصة الثانية، أكثر كوميدية من الأولى، لكنها كوميديا سوداء. مرشح آخر اكتشف أنّ أحد الناخبين لم يمنحه صوته، فقرّر ترحيل بيته من القرية. البيت يا رجل! الأثاث، الملابس، لعب الأطفال وكتبهم المدرسية… وغلق الباب الذي يفتح ويغلق منذ عشرات السنوات. وكأن الناخب المغلوب على أمره - صاحب البيت - قد ارتكب جريمة وطنية. أتخيله يُرحّل وهو يتمسّك بعتبته، ينظر خلفه كطفلٍ يُسحب من حضن أمه. لحظة تأمل… ثم ابتسامة مرّة، لها طعم التراب.
أما ذروة المسرحية، فهي عند أقرباء أحد الخاسرين الآخرين، الذين قرروا قطع الطريق الدولي احتجاجًا. الطريق! الشريان الذي يمر فيه الناس إلى أعمالهم وأحلامهم ودوامهم ومستقبلهم. أوقفوه كأنهم يوقفون الزمن نفسه، كأن خسارة قريبهم حدث كوني يستحق أن تتجمد معه حركة الكون.
تنفستُ بعمق.
ثم ضحكت… ضحكت كمن وجد بين الركام زهرة سخرية.
وأعود لأقول لك يا صديقي وبصوت منخفض:
لا شيء يُفسد جمال الديمقراطية مثلما يتصرّف الخاسرون كأنهم يملكون السماء… والأرض… والبشر.



