الرسائل السماوية نقية، لانها صادرة عن الله، وناقلوها من الرسل انقياء، ولذا فأي تَدَرّع بها لا يصح الا ان يكون لغاية توصل حكما عادلا و روحية نص غير منفصلة عنه.
مبتدأ الصراع هو شيوع مقدمات فهم للرسائل انها دعوة مفتوحة لتشكيل نظام حكم، والقارئ يعلم الفرق بين اهداف الرسائل السماوية للفرد والجماعة، وبين الحكم.
تجارب الحكم الديني الناجحة قليلة العدد، وقد نجحت في حالات يكون فيها الرسل رسلاً وحكاماً، ونجحت بعدد حالات اقل لما تولى الحكم افراد مؤمنون بالرسل تطبيقاً للشريعة، فيما نجحت تجارب حكم كثيرة على امتداد التاريخ والحاضر، لما ادرك المجتمع ومختارو صيغ النظام الحاكم خطورة تسليم الحكم لمدع بحق الهي هو في الواقع ابعد ما يكون عن تحري العدالة وابداء الرأفة وفهم طبيعة المجتمع وتبدلات الحياة.
العراق كان محطة اختبار مطولة لتجارب حكم ظاهره الاسلام وحقيقته وواقعه بعيدان عن سماحة الرسالة وطهر السنن النبوية وايمان عادل الصحابة.
واذا درسنا التاريخ من مقبول المصادر، ونحينا جانباً سرد التأثيرات الحاكمة على المجتمع، واكتفينا بدراسة دوافع الوصول للحكم داخل عوائل الحكم، سنقرأ عن الدسائس والخيانات، والاغتيالات وتجنيد المال العام لأغراض خاصة دنيئة، واعتقالات وتقاتل بين الاشقاء والاخوة والاباء والبنوة على كرسي الحكم، كرسي الخلافة.
كما سنقرأ عن التنظيمات العقائدية السرية وعن الفتاوى السياسية المولد المغلفة بالتفسير للنص المبجل بما يلبي رغبة المفتى له والمفتي بها، وسنقرأ عن رؤوس مسلمة احتزتها سيوف السلطة المسلمة لأسباب وغايات لا على لهما بالرسالة السماوية.
هذا المقال يحتاج لعقل متفتح وضمير منصف وكم مواز من المعلومات ليحقق للقارئ فائدته.
صراع الحاضر السياسي هو امتداد لصراع متأصل من فهم للحكم، لم يقتصر على اغلب خارطة زمن الخلافة، بل سبقه وكرره بعد زوال الخلافة.
هذا المقال ليس سرداً نقدياً لا للخلافة ولا تحاملاً على حاكم بذاته، بل هو محاولة اثبات وتفسير للمتحصل للجمهور من بقاء فكر الحاكم او الساعي للحكم، ممن يفهمون السلطة بنفس مفهوم سابقيهم من حكام وساعين للحكم بلغوه ام خاب سعيهم، فخلقوا حججاً لحقهم في الحكم متذرعين بنصوص تجرم غيرهم وتقربهم هم من طموحهم، وعلى ذلك المسعى ازهقت ارواح، وتم حرمان للحقوق بلا ذنب، وأجري العطاء على غير مستحق، وفوق هذا وذاك واستكمالاً للضرر تم فرض رسالة بالسيف حرّم اللهُ ان تفرض بها.
لا اعتقد بوجود ضرر اكبر من ضرر العقول التي تجنت على مبتغى الكتب السماوية، حين تجرأت على عادلة السماء وحنوها على الانسانية واشاعة السلام بينها على تنوعها، فراحت تسلب الحقوق بدل تأديتها.
والحقوق قضية مركزية في الخطاب الالهي، والنصوص عليها والجزاء المرتبط بمنعها وتعطيلها نصوص كثيرة.
لقد تحرت الكتب المرسلة وتحرت الرسل ومن تبعهم بإحسان كل وسيلة تبعد الشك او تنال من صدقية التوصية الربانية في العدالة والرأفة والقيام بالواجب، فكيف ان كان الواجب خدمة الرعية وإشاعة الحسنى بين الناس حتى مع الذين يخالفون في الدين، لكن الاذى الكبير وقع وتكرر وترسخ واحدث الضرر لما اختلس النفر المتكرر تاريخياً سطوة على طهر الرسالة واستحوذ على طهارة ائمة فكر ومنظري مذهب من الذين تحسسوا مبكراً وفي كل المجتمعات التي سادتها دول دينية، الخطورة المنبعثة من ادعاء حق الهي على يد مدع به غير مخلص النوايا، فكان ان ظهرت فرق مسيسة بلباس ديني، تدرك تأثير الثقة التي يقدمها الدين للناس بإعتباره رسالة خلاص، وبالتالي القبول بالمشروع ثم حصول الصدمة بعد انكشاف الحقيقة.
ان طموح السلطة مشروع لا يقيد مشروعيته الا ان لا يكون الحاكم دون مستوى المسؤولية، اكان الحاكم مشرعن نفسه وحكمه بدين ام بغيره، امّا ان تشرعن بدين وخالفه فقد أضر بالدين وأضر بثقة الرعية بدينها.



