لم يعد العنف الأسري مجرد سلوك عابر أو مشكلة فردية داخل بيت من البيوت، بل تحوّل إلى ظاهرة متنامية تهدد النسيج الاجتماعي برمته. فكل بيت يشهد عنفاً داخلياً، يصدّر للمجتمع جيلاً مأزوماً نفسياً، فاقداً للثقة بالآخرين، وقد يتحول في المستقبل إلى عنصر ناقم يمارس العنف ذاته على محيطه، في دائرة متواصلة من الانتهاكات.
إن الأسرة التي يُفترض أن تكون واحة حب وأمان، صارت في بعض الحالات مسرحاً للخوف والترهيب. والضحايا في الغالب هم الأطفال والنساء، حيث تتنوع صور العنف بين الضرب، والإهانة، والتجويع، والإهمال، وصولاً إلى الاعتداء الجنسي الذي يمثل أبشع صور الانتهاك الإنساني. وهذه الممارسات تترك آثاراً نفسية خطيرة لا تزول بسهولة، بل ترافق الضحايا طوال حياتهم.
ولعلّ الأخطر من ذلك، أن غياب التشريعات الرادعة ساهم في استفحال هذه الظاهرة، حيث لايزال العراق يفتقر إلى قوانين متخصصة لحماية الأسرة والطفل، في وقت باتت فيه الحاجة ماسّة إلى تشريع قانون حماية الطفل الذي يضمن حقه في التعليم، ويمنع استغلاله في التسول أو العمل المبكر، فضلاً عن حمايته من الاعتداءات البدنية والجنسية. كما ينبغي الإسراع في إقرار قوانين للعنف الأسري تفرض عقوبات واضحة على كل من يمارس هذه الجرائم داخل البيت.
غير أن الحلول القانونية وحدها غير كافية. فالمجتمع بحاجة إلى ثورة وعي وثقافة تُعيد للأسرة قيمها الحقيقية، وتزرع في النفوس ثقافة الحوار بدلاً من الصراع، والتفاهم بدلاً من القسوة. وهنا يبرز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، في نشر خطاب يرسّخ قيم الرحمة والاحترام، ويُعرّي خطورة العنف وآثاره الكارثية.
كما أن منظمات المجتمع المدني مطالَبة بأخذ زمام المبادرة، من خلال إطلاق حملات توعية، وإنشاء مراكز إيواء ودعم نفسي للضحايا، وتوفير خطوط هاتفية آمنة لتلقي الشكاوى بسرية تامة. فالكثير من الضحايا، خصوصاً النساء والأطفال، يترددون في الإبلاغ خوفاً من الفضيحة أو فقدان المأوى.
إن العنف الأسري قنبلة موقوتة إذا لم تُعالج ستنفجر في وجه المجتمع بأكمله، مخلّفةً جيلاً ممزقاً يعاني من التشوه النفسي والاجتماعي. ومواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد، وتمتد إلى الأسرة، وتنتهي بالدولة ومؤسساتها.
فالعراق الذي كان مهد القوانين الأولى في التاريخ، لا يليق به أن يبقى متأخراً في حماية أضعف حلقاته: المرأة والطفل. إن حماية الأسرة تعني حماية الوطن، وصون الكرامة الإنسانية، وإعادة بناء جيل قادر على حمل مشعل المستقبل بثقة وأمان.


.jpg&w=3840&q=75)
