في مفترق الدخان والتصعيد، يقف الشرق الأوسط حيث تتقاطع خرائط القوة مع خرائط الدم، وتتعانق الشعارات مع الرصاص. هنا تتحدث العواصم بلغة الدبلوماسية، بينما تخفق القلوب بإيقاع المدافع، وتزرع النفوذ والهيمنة في ظلال اللهب.
اتفاق غزة، وإن بدا نافذة نحو هدنة مؤقتة، ليس سوى ستار على مسرحٍ تضج كواليسه بالمؤامرات والتحالفات الخفية، بين واشنطن التي تدير المشهد بخيوطٍ من حرير وأخرى من حديد، وطهران التي تحفظ حضورها في كل زاوية من المنطقة، وتل أبيب التي تراقب الزمن بعين متوجسة، تتشكل ملامح شرقٍ جديد لا يُولد من رحم السلام، بل من صراع متجدد على من يكتب تاريخ المنطقة القادم، وما بين هدنة وأخرى، يبقى المستقبل معلّقاً بين صاروخ ينتظر الأمر وحلم مؤجل في ضمير الشعوب.
في مشهد سياسي متشابك تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية، جاءت اتفاقية غزة التي رعتها الولايات المتحدة مطلع تشرين الأول الجاري، لتفتح فصلاً جديداً في إدارة أزمات الشرق الأوسط. فقد رأت واشنطن في الاتفاق فرصة لتثبيت هدنة مؤقتة وفتح ممرات إنسانية لتخفيف الكارثة في القطاع، بينما اعتبرها مراقبون خطوة تكتيكية تهدف إلى إعادة ترتيب أولويات الصراع لا أكثر، ضمن استراتيجية أوسع لإعادة هندسة التوازنات في المنطقة، المعروفة إعلامياً بـ"مخطط الشرق الأوسط الجديد".
توقيع الاتفاق بحضور أطراف عربية ودولية، جاء بعد الكثير من المواجهات العنيفة بين حماس وإسرائيل وضغوط دولية متزايدة لإنهاء المعاناة الإنسانية. وقد تضمن الاتفاق وقفاً لإطلاق النار، وإطلاق سراح عدد من الأسرى والمحتجزين، وتهيئة الظروف لتشكيل قوة أمنية محلية بإشراف دولي مؤقت.
ومع ذلك، فإنّ جوهر الاتفاق لا يتجاوز إدارة الأزمة مرحلياً دون حلّ جذورها العميقة، إذ بقيت القضايا الكبرى معلّقة، مستقبل سلاح حماس، طبيعة الوجود الإسرائيلي في غزة، وضمانات الأمن الدائم لكل الأطراف.
الولايات المتحدة التي أدارت المفاوضات بشكل مباشر مع القاهرة وتل أبيب والدوحة، لا تسعى إلى تغيير المعادلة جذرياً بقدر ما تحاول ضبط الإيقاع الإقليمي، للحيلولة دون انفجار مواجهة كبرى (ولو مؤقتاً) قد تجرّها إلى صراع مفتوح مع إيران ووكلائها في المنطقة.
من هذا المنظور، تبدو الاتفاقية أشبه باستراحة تكتيكية، تمنح واشنطن فسحة لإعادة ترتيب أوراق الضغط والتهدئة في آنٍ واحد، بما يتماشى مع حساباتها الاستراتيجية الأوسع.
غير أن هذه التهدئة لم تقنع القوى الإقليمية الفاعلة بأن الصراع وصل إلى نهايته. فالفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق وسوريا واليمن أبدت ترحيباً حذراً بالهدنة، لكنها أكدت في بياناتها أن وقف النار في غزة لا يعني توقف عملياتها في ساحات أخرى. وبذلك تبقى واشنطن في حالة استنفار عسكري وسياسي دائم خشية تجدد الهجمات على قواتها المنتشرة في العراق وسوريا.
على هذا الأساس، لا يُتوقع أن تؤجل الولايات المتحدة خيار الضربات ضد الفصائل الموالية لإيران إلا مؤقتاً. فالمعيار الأميركي واضح، أي تهديد مباشر للمصالح الأميركية سيقابَل بردّ فوري، بغض النظر عن اتفاق غزة. وهو ما يجعل الهدنة محدودة التأثير في الحسابات العسكرية الأميركية طالما لم يتغير سلوك هذه الفصائل ميدانياً.
أما بالنسبة للعلاقة بين إسرائيل وإيران، فالهدنة تشكل عاملاً مؤقتاً في كبح التصعيد، لكنها لا تلغي احتمالية اندلاع جولة ثانية من الحرب غير المعلنة بين الجانبين. فإسرائيل ترى في المشروع النووي الإيراني وتمدد نفوذ طهران عبر "محور المقاومة" تهديداً مباشراً، بينما تعتبر إيران دعمها لحماس وحزب الله والفصائل العراقية واليمنية وسيلة لحفظ التوازن وردع أي ضربة استباقية إسرائيلية. ومع استمرار هذا التوتر، يبقى أي خطأ حسابي أو هجوم واسع كفيلاً بإشعال مواجهة مباشرة جديدة.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل اتفاق غزة عن مخطط الشرق الأوسط الجديد، الذي تسعى واشنطن وبعض القوى الغربية والعربية إلى صياغته منذ سنوات. هذا المخطط يقوم على إعادة ترتيب الخريطة السياسية والاقتصادية للمنطقة عبر بناء تحالفات جديدة، ودمج إسرائيل في منظومة إقليمية أمنية واقتصادية مشتركة، وربطها بممرات الطاقة والنقل والتجارة الممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط. ووفق الرؤية الأميركية، فإن الاستقرار النسبي في غزة يشكل مدخلاً ضرورياً لإنعاش مسار التطبيع وتوسيع دائرة التعاون العربي - الإسرائيلي تحت مظلة المصالح المشتركة، مع تقليص نفوذ إيران ومحور المقاومة، لكن الواقع أكثر تعقيداً من الرؤية النظرية. فالقضية الفلسطينية لاتزال حجر العثرة في طريق أي تسوية شاملة، والشارع العربي مازال يرى في التطبيع قبل تحقيق العدالة للفلسطينيين انحرافاً عن الثوابت القومية. كما أن القوى الإقليمية الكبرى، كإيران وتركيا، تمتلك أوراق ضغط تجعل تنفيذ هذا المخطط وفق التصور الأميركي أمراً بعيد المنال. لذلك تبقى المنطقة عالقة بين مشروعين متناقضين، مشروع "التهدئة المنظمة" الذي تقوده واشنطن، ومشروع "المقاومة المستمرة" الذي تتبناه طهران وحلفاؤها.
وعليه، يمكن القول إن اتفاقية غزة ليست سوى فصل جديد في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وليست النهاية. فهي تمنح المنطقة فرصة مؤقتة للتنفس، لكنها لا تغيّر جوهر الصراع الممتد بين واشنطن وطهران وتل أبيب، ولا توقف حروب الوكالة المنتشرة من العراق إلى لبنان واليمن. أما الضربة الأميركية للفصائل العراقية والجولة الثانية من الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، فستبقيان مؤجلتين إلى حين، لا بسبب اتفاق غزة، بل لأن التوازنات الدولية لم تنضج بعد لاتخاذ قرار بفتح النار من جديد.
