في خضمّ التحولات العاصفة التي شهدها العراق بعد عام 2003، ومع تصاعد الصراعات الطائفية والقومية والسياسية، برز نيجيرفان بارزاني كأحد الوجوه القليلة التي استطاعت أن تمثل صوت العقل والاعتدال في مشهدٍ تسوده الفوضى والتشتت.
لم يكن صعوده السياسي مجرد نتاجٍ طبيعي لانتمائه العائلي إلى المدرسة البارزانية العريقة، بل نتيجة رؤيةٍ ناضجةٍ وإيمانٍ عميق بأن بناء الدولة الحديثة يبدأ من الإنسان، ومن إرساء أسس التعايش السلمي بين المكونات.
منذ بداياته في رئاسة حكومة إقليم كوردستان، اتضح أن نيجيرفان بارزاني يتبنى فلسفة حكم مختلفة عن كثيرٍ من نظرائه. فهو لا يرى في السياسة وسيلةً للمنافسة أو الغلبة، بل إطاراً لإدارة التنوّع وتجاوز الخلاف. لذلك اختار منهج التهدئة والحوار كأداةٍ لبناء الثقة داخل الإقليم ومع بغداد في آنٍ واحد. هذا النهج أكسبه احتراماً محلياً وإقليمياً ودولياً، لأنه أعاد تعريف القيادة الكوردية بوصفها قوة استقرار لا مصدر توتر.
على الصعيد الداخلي، عمل نيجيرفان بارزاني بلا كلل من أجل الحفاظ على وحدة الصف الكوردي رغم التباينات السياسية بين القوى والأحزاب. فقد أدرك أن الانقسام داخل البيت الكوردي يُضعف موقع الإقليم في مواجهة التحديات الخارجية. ولذلك، قاد سلسلة من الحوارات والتفاهمات التي هدفت إلى جمع القوى السياسية على أرضية مشتركة، وإبعاد الخلافات الحزبية عن مؤسسات الحكم. ومن خلال هذا الجهد المتواصل، حافظ على تماسك مؤسسات الإقليم واستمرارية عملها في أوقاتٍ عصيبة.
أما في العلاقة مع بغداد، فقد تميز أسلوب نيجيرفان بارزاني بالبراغماتية الإيجابية، فهو يدرك أن الخلافات السياسية والدستورية لا تُحلّ بالشعارات أو بالتصعيد الإعلامي، بل بالحوار المتوازن والمصالح المشتركة. لذلك لعب دوراً محورياً في فتح قنوات التواصل بين أربيل وبغداد، وساهم في نزع فتيل أزمات متكررة كملفات الموازنة، والنفط، والحدود. وقدّم نموذجاً نادراً في السياسة العراقية، حيث تغلب الحكمة على الانفعال، والمصلحة العامة على المكاسب الفئوية.
في ميدان التعايش المجتمعي، كان نيجيرفان بارزاني مؤمناً بأن السلام لا يتحقق فقط عبر الاتفاقيات السياسية، بل عبر خلق بيئةٍ اجتماعيةٍ وإنسانيةٍ تستوعب الاختلاف. لذلك، تبنّت حكومة الإقليم في عهده سياساتٍ واضحة لاحترام التعدد الديني والقومي، فحافظت على حقوق المسيحيين والإيزديين والتركمان والعرب، ووفّرت لهم التمثيل والفرص داخل مؤسسات الدولة. كما تحوّلت كوردستان في سنوات الحرب ضد تنظيم داعش إلى ملاذٍ آمن لملايين النازحين، دون تمييزٍ ديني أو مذهبي. هذه التجربة الإنسانية عززت صورة الإقليم كمركز للتعايش الحقيقي، وجعلت من قيادته نموذجاً أخلاقياً وسياسياً في آنٍ واحد.
على الصعيد الإقليمي والدولي، نجح نيجيرفان بارزاني في ترسيخ سياسة الانفتاح المتوازن. فحافظ على علاقاتٍ متينة مع تركيا وإيران والولايات المتحدة ودول الخليج، دون أن يسمح لأي طرفٍ بجرّ كوردستان إلى محورٍ على حساب آخر. هذه السياسة الواقعية جعلت من الإقليم طرفاً يُحسب له حساب في المعادلات الإقليمية، لا مجرد تابع أو متلقٍ للضغوط. وقد أثبتت هذه الرؤية أهميتها في أوقات الأزمات، حين تحوّلت أربيل إلى جسر تواصل بين القوى المتخاصمة، وموضع ثقةٍ للوسطاء الدوليين.
إنّ قراءة تجربة نيجيرفان بارزاني تكشف أن السلام بالنسبة له ليس شعاراً سياسياً، بل مشروع دولة. فهو يؤمن أن الاستقرار الداخلي شرطٌ أساسي لبناء الاقتصاد، وأن الاقتصاد بدوره هو أساس الاستقلال السياسي. لذلك، سعى إلى تعزيز التنمية في الإقليم، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء مؤسسات حديثة قادرة على خدمة المواطنين بعيدًا عن الانقسامات الحزبية.
لقد نجح نيجيرفان بارزاني، بخطابه الهادئ ومواقفه المتزنة، في أن يجعل من كوردستان مساحة أمل في منطقةٍ تفيض بالتوتر. وبقدر ما عمل على حماية التجربة الكوردية، عمل أيضاً على توسيع مفهوم الشراكة الوطنية في العراق، مؤكداً أن مصير الإقليم لا ينفصل عن مصير الدولة العراقية. هذه الرؤية الواقعية جعلت منه رجل توازنٍ وتهدئةٍ في زمنٍ يكثر فيه الصراخ ويقلّ فيه التعقل.
في النهاية، يمكن القول إن نيجيرفان بارزاني لم يكتفِ بأن يكون رئيساً لإقليمٍ، بل أصبح رمزاً لثقافةٍ سياسيةٍ جديدة في العراق، تقوم على الحوار لا القطيعة، وعلى التفاهم لا الإلغاء. إنه نموذج القائد الذي يفكر في الأجيال القادمة لا في الانتخابات القادمة، وفي بناء السلام الدائم لا المكاسب المؤقتة.
وبذلك، يظلّ اسمه مقترناً بمفهوم القيادة الحكيمة التي تسعى إلى أن يكون الوطن بيتاً آمناً لكل أبنائه، لا ساحةً لصراعاتهم.



