في ظل استمرار أزمة تصدير النفط من إقليم كوردستان، أجرى رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني اتصالاً هاتفياً مع مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الطاقة جيفري بيات، أعرب فيه عن استيائه من توقف تصدير النفط المنتج في الإقليم منذ 24 اذار 2023. وأكد مسرور بارزاني على ضرورة إيجاد حلول عاجلة للمشاكل العالقة التي تعيق استئناف التصدير، مسلطاً الضوء على الآثار السلبية الاقتصادية المترتبة على تعليق العملية، التي تفاقمت مع استمرار الأزمة.
جاء توقف صادرات النفط إثر قرار هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس، الذي صدر بعد شكوى قدمتها الحكومة العراقية ضد تركيا بشأن تصدير النفط من الإقليم دون موافقة بغداد. قبل هذا القرار، كان الإقليم يصدر نحو 450 ألف برميل يومياً عبر تركيا، دون تسليم أي جزء من الإيرادات إلى الحكومة الاتحادية، على الرغم من إقرار ذلك في قوانين الموازنات المتتالية.
يعتقد أن غياب التشريع هو السبب الجوهري للأزمة، حيث رغم مرور ما يقرب من عقدين على إقرار الدستور العراقي في عام 2005، لايزال غياب تشريع قانون النفط والغاز هو الجذر الأساسي للخلافات المتكررة بين بغداد وأربيل. المادتان 111 و112 من الدستور تحددان الأساس الدستوري لإدارة الموارد النفطية والغازية، حيث تنص المادة 111 على أن "النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات"، بينما تؤكد المادة 112 على أن الإدارة تكون مشتركة بين الحكومة الاتحادية والمحافظات والأقاليم المنتجة، مع توزيع الإيرادات بشكل عادل.
ولكن، رغم وضوح هذه النصوص، لم يتمكن مجلس النواب العراقي، عبر خمس دورات برلمانية، من تشريع قانون ينظم إدارة هذه الموارد الحيوية، مما أدى إلى استمرار الأزمات وتكرار الخلافات بين الحكومة الاتحادية والإقليم.
أولاً: ماهي التداعيات الاقتصادية والسياسية؟
1- أزمة الرواتب في إقليم كوردستان:
أدى غياب القانون إلى قطع أو تأخير رواتب الموظفين والمتقاعدين في الإقليم مرات عدة، حيث تستخدم الحكومة الاتحادية هذه الورقة كوسيلة ضغط سياسي على أربيل. الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية واندلاع احتجاجات شعبية متكررة.
2- تعطيل التنمية الاقتصادية:
غياب آليات واضحة لإدارة الموارد النفطية يعطل استغلالها بشكل فعال. نتيجة لذلك، تعتمد بغداد وأربيل على اتفاقيات مؤقتة، غير مستقرة، غالباً ما تنهار مع تغير الظروف السياسية.
3- التدخلات الخارجية:
الفراغ القانوني فتح المجال لتدخلات دولية وإقليمية، خاصة من تركيا وإيران، التي تستغل الخلافات بين بغداد وأربيل لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
4- ضعف الثقة بين المركز والإقليم:
استمرار الخلافات والنزاعات حول النفط والإيرادات أدى إلى تعميق الفجوة السياسية، مما يعيق التعاون بين بغداد وأربيل ويهدد الاستقرار السياسي.
ثانياً: هنا يبرز السؤال الجوهري هو: من يعيق تشريع القانون؟
هناك عدة عوامل تعيق تشريع قانون النفط والغاز، رغم أهميته القصوى:
1- الخلافات السياسية:
القوى السياسية في بغداد وأربيل تختلف بشكل جذري حول صلاحيات إدارة النفط. ترى أربيل أن لها الحق في إدارة مواردها بشكل مستقل، بينما تصر بغداد على مركزية إدارة الموارد لضمان التوزيع العادل للإيرادات.
2- ضعف الإرادة السياسية:
بعض الأطراف السياسية تستفيد من غياب التشريع، حيث يمكنها استغلال الوضع الحالي لصالحها، مما يقلل من حماسها لدفع القانون نحو الإقرار.
3- الأولويات المتضاربة:
مجلس النواب غالباً ما يركز على قضايا آنية وصراعات حزبية، متجاهلاً القوانين الاستراتيجية مثل قانون النفط والغاز.
4- التدخلات الخارجية:
هناك قوى دولية وإقليمية تفضل استمرار الفجوة القانونية بين بغداد وأربيل لضمان نفوذها في العراق.
ثالثاً: إذن كيف يتم تقديم مشروع القانون؟
وفقاً للدستور العراقي والنظام الداخلي لمجلس النواب، يمكن تقديم مشروع قانون النفط والغاز عبر الخطوات التالية:
1- الإعداد
يمكن للحكومة (مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية) إعداد مشروع القانون وتحويله إلى مجلس النواب. كما يمكن لعدد لا يقل عن 10 أعضاء من البرلمان تقديم مقترح قانون.
2- الإحالة إلى اللجان، يحال المشروع إلى اللجان المختصة، مثل لجنة النفط والطاقة، لدراسته ومناقشته.
3- المناقشة والتعديل، يتم إدخال التعديلات اللازمة بعد دراسة المشروع في اللجان، قبل عرضه للتصويت.
4- التصويت والإقرار، يتطلب المشروع موافقة الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب ليصبح قانوناً نافذاً.
رابعاً: الحاجة الملحّة للتشريع
غياب قانون النفط والغاز بعد نحو عقدين من إقرار الدستور يعد فشلاً تشريعياً واضحاً، وأن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى:
1- إطالة أمد الأزمات المالية والسياسية بين بغداد وأربيل.
2- تعميق التدخلات الخارجية في الشؤون العراقية.
3- إهدار الفرص التنموية بسبب غياب إدارة واضحة للموارد النفطية.
إن تشريع هذا القانون ضرورة لضمان استقرار العلاقة بين المركز والإقليم، وحل الخلافات المستدامة حول إدارة وتوزيع الموارد، بما يضمن العدالة والشفافية.
إن استمرار تجاهل تشريع قانون النفط والغاز يظهر أزمة عميقة في الأداء التشريعي والسياسي في العراق. هذا القانون ليس مجرد مطلب اقتصادي، بل هو حجر الأساس لتحقيق استقرار سياسي واقتصادي شامل. يجب أن تتحلى الأطراف السياسية بالشجاعة والإرادة لتجاوز الخلافات الحزبية والمصالح الضيقة، والعمل على إقرار قانون يُعيد الثقة بين بغداد وأربيل، ويضع العراق على مسار التنمية والاستقرار.
تشريع قانون النفط والغاز ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية يجب تحقيقها لضمان مستقبل أفضل لجميع العراقيين.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً