بعد انتصار انتفاضة آذار وإرادة شعب كوردستان في عام 1991 وإنشاء كيان إقليم كوردستان وتشكيل أول برلمان وحكومة منتخبة فيما بعد، حقق الإقليم قفزات كبيرة لتحويل إقليم مدمر تماماً وفاقد للبنى التحتية لواحة خضراء، فضلاً عن استئناف العمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية التي سحب نظام البعث موظفيه منها وبدء العمل والإعمار بإمكانيات بسيطة جداً كان الكثيرون يعتقدون أن النهوض في الإقليم بهذه الإمكانيات صعب للغاية بل من المستحيل.
لكن إرادة القيادة وشعب كوردستان على تجاوز عقود من الحرب والتوجه نحو البناء وتحقيق الرفاه والازدهار الاقتصادي كانت أقوى من كم هائل من الدمار والخراب الذي لحق بجميع مرافق الحياة إضافة إلى المشاكل السياسية الداخلية ومع دول الجوار، ناهيك عن الوضع الاقتصادي والواردات البسيطة التي كانت لا تتعدى بعض المساعدات من المنظمات الدولية والمنافذ الحدودية.
ورغم جميع تلك المشاكل والحرب الضروس ضد الإرهاب وقطع حصة الإقليم من الموازنة العامة من قبل الحكومة في بغداد، وضغوطات الدول الإقليمية، تمكن الإقليم بعد مضي عقدين من الزمن وبجهود وإصرار منقطع النظير أن يحقق إنجازات كبيرة في مختلف المجالات العمرانية والاقتصادية والأمنية ووضع الإقليم على السكة الصحيحة بحيث أصبح له دور كبير في استقرار العراق والمنطقة وورقة لا يمكن تجاوزها في أي خارطة جديدة للشرق الأوسط.
إن أهمية إقليم كوردستان تكمن في السياسة الحكيمة التي انتهجتها الحكومة ازاء الملفات المختلفة سواء الملف الداخلي الكوردستاني والملف مع بغداد فضلاً عن الملفات الإقليمية والدولية وكيفية إدارة الأزمات في ظل قطع حصته من الموازنة العامة وجائحة كورونا التي أدت إلى ركود الاقتصاد العالمي وتهاوي أسعار النفط، في ظل تلك الأوضاع المعقدة والصعبة تمكن إقليم كوردستان من تحقيق انجازات كبرى على العديد من الصعد.
بعد تحقيق تلك الانجازات، ونجاح الدبلوماسية الكوردية في التعاطي مع دول المنطقة والعالم أصبحت أربيل محطة مهمة لجميع الرؤساء والشخصيات التي تزور العراق وغالبية الشخصيات الحكومية والسياسية ومسؤولي المنظمات الانسانية وغيرها التي تزور العراق لا بد لها أن تزور أربيل للقاء المسؤولين الحكوميين والحزبيين وعلى رأسهم فخامة الرئيس مسعود بارزاني ورئيس الإقليم نجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، نظراً لتأثير الإقليم على مجمل الأوضاع في العراق.
في يوم الخميس 2 آذار 2023 زار السيد انطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة أربيل والتقى كبار القادة في إقليم كوردستان وتحدث لوسائل الإعلام بشكل صريح وشفاف، حديث المسؤول الأممي الرفيع بشأن إقليم كوردستان دلالة واضحة على أهمية إقليم كوردستان في المنطقة ومدى تأثيره على الأوضاع وأيضاً مدى اهتمام المجتمع الدولي بهذا الإقليم الذي له دور كبير في استقرار المنطقة وازدهارها. من هذا المنطلق أحاول تسليط الضوء على بعض فقرات حديث السيد غوتيريش والتعليق عليها.
قال الأمين العام للأمم المتحدة "بأنه يشعر بالسعادة لزيارة إقليم كوردستان"، غمرة وسعادة السيد غوتيريش لم تأت من فراغ، فهو يقود أكبر مؤسسة دولية ولا يمكن أن يجامل جهة لحساسية موقعه بل يريد أن يقول انه سعيد بالتطور العمراني والازدهار الاقتصادي قياساً بالفترة القصيرة التي مرت على الإقليم تلك الفترة المليئة بالتحديات الكبرى، خاصة ان الإقليم يشكل عاملاً للاستقرار الأمني ولا يمكن الاستهانة بموقعه في تحقيق الأمن من خلال اسهامه الفاعل في دحر الإرهاب الذي يهدد الأمن والسلام العالميين.
واستطرد المسؤول الأممي قائلاً "ينبغي إقرار الموازنة الاتحادية، وصياغة قانون النفط والغاز، وتنفيذ اتفاقية سنجلر"، هنا وضع السيد غوتيريش اصبعه على أهم وابرز المشاكل العالقة بين أربيل وبغداد فهو يعلم جيداً ان إقرار الموازنة يعني إطلاق الاموال لغرض استئناف النشاطات الاقتصادية والاستثمارية والعمرانية في العراق ككل وفي إقليم كوردستان على وجه الخصوص فضلاً عن ان صياغة قانون النفط والغاز واقراره يشكل نقطة تحول كبرى في العلاقات بين أربيل وبغداد وهو مفتاح حل القضايا العالقة الأخرى بالأخص تنفيذ المادة 140.
كما أن دعوة السيد غوتيريش لتنفيذ اتفاقية سنجار يدل على مدى اهتمام المجتمع الدولي بقضية الاخوة الإيزديين الذين تعرضوا لأبشع جريمة ابادة جماعية على يد تنظيم داعش الإرهابي. هذه المطالب الثلاثة التي اشار لها الأمين العام تشكل حجر الزاوية لاستقرار العراق وازدهاره الاقتصادي وبداية لحسم جميع الخلافات بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية وتصفيرها.
في فقرة اخرى من حديثه نوه السيد غوتيريش إلى نقطة مهمة اخرى وقال: "أشجع الأحزاب السياسية في إقليم كوردستان على إجراء الانتخابات خلال هذا العام"، إن تشجيع الأحزاب السياسية في إقليم كوردستان على اجراء الانتخابات خلال هذا العام من قبل المسؤول الاممي، له مغزى كبير مرتبط باستمرار شرعية كيان إقليم كوردستان وسيادته من جانب واستمرار العملية الديمقراطية المتمثلة بالبرمان والحكومة المنتخبين من قبل الشعب، وهذان العاملان بدورهما يمنحان الإقليم قوة وثباتاً للحفاظ على السيادة واتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة شعب كوردستان والعراق معاً.
كما أشار السيد غوتيريش في حديثة لوسائل الاعلام إلى نقطة مهمة اخرى وقال: "ناقشنا قرارات المحكمة الاتحادية والتي ينبغي أن تكون في مصلحة جميع أطياف الشعب العراقي". الإشارة إلى قرارات المحكمة الاتحادية الخاص بعدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم وأيضاً قرار قطع الاموال المخصصة للإقليم دلالة على ان الامم المتحدة تراقب عن كثب وبدقة جميع مجريات الاحداث في العراق وبالاخص العلاقة بين أربيل وبغداد ومقولة ان تكون تلك القرارات في مصلحة جميع اطياف الشعب العراقي يفهم منها ان القرارات الصادرة بصياغتها الحالية هي في صالح الحكومة الاتحادية على حساب شعب كوردستان، أي تلميح إلى عدم حيادية تلك القرارات وانها لا تخدم مصلحة الشعب العراقي ككل وهذا الامر يعقد المشاكل والخلافات اكثر وينبغي ان تعالج بطريقة أو باخرى.
لا شك ان دعوة الأمين العام للأمم المتحدة لإقرار قانوني الموازنة والنفط والغاز ومطالبة اجراء الانتخابات البرلمانية في إقليم كوردستان في العام الحالي تعد مقترحاً لخارطة طريق واضحة وشفافة لحل مشاكل الإقليم الداخلية والخلافات بين أربيل وبغداد كونها تشكل جوهر المشاكل العالقة وان تم حلها سوف تحل بقية المشاكل تباعاً بسهولة وأريحية.


.jpg&w=3840&q=75)
