اولاً. طبيعة الأزمة
حافظت أوكرانيا على علاقات جيدة مع روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، وبعدها بثلاث سنوات وافقت أوكرانيا على التخلي عن ترسانتها النووية ووقعت على مذكرة "بودابست" بشأن الضمانات الأمنية بشرط أن تصدر روسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ضماناً ضد التهديدات أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدولة.
بعد خمس سنوات، كانت روسيا واحدة من الموقعين على ميثاق الأمن الأوروبي، حيث "أعادت التأكيد على الحق الطبيعي لكل دولة مشاركة في أن تكون حرة في اختيار أو تغيير ترتيباتها الأمنية، بما في ذلك معاهدات التحالف، الا ان القيادة الروسية تنظر الى أوكرانيا كجزء من مجال نفوذها.
وفي عام 2008، رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محاولة انضمام أوكرانيا الى الناتو وبذلك اتبعت روسيا نسخة محدثة من عقيدة بريجنيف، التي تنص على أن سيادة أوكرانيا لا يمكن أن تكون أكبر من سيادة الدول الأعضاء في حلف وارسو قبل انهيار مجال النفوذ السوفييتي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، هذا الرأي مبني على فرضية أن تصرفات روسيا لاسترضاء الغرب في أوائل التسعينيات كان يجب أن تقابل بالمثل من الغرب، دون توسع الناتو على طول الحدود الروسية.
بعد أسابيع من الاحتجاجات كجزء من حركة الميدان الأوروبي (2013-2014)، وقع الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا "فيكتور يانوكوفيتش" وزعماء المعارضة البرلمانية الأوكرانية في 21 شباط 2014 اتفاقية تسوية دعت إلى إجراء انتخابات مبكرة، في اليوم التالي، فر "يانوكوفيتش" من كييف قبل التصويت على عزله الذي جرده من سلطاته كرئيس، الا أن قادة المناطق الشرقية في اوكرانيا (الناطقة بالروسية) اعلنوا استمرار تأييدهم وولائهم ليانوكوفيتش، مما تسبب بحصول اضطرابات، أعقبها ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في اذار 2014، ثم الحرب في دونباس، التي بدأت بإنشاء شبه دول مدعومة من روسيا تابعة لجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين.
ثانياً. أسباب اندلاع الأزمة
في 14 أيلول 2020، وافق الرئيس الأوكراني المنتخب والقريب من الغرب "فلاديمير زيلينسكي" على ستراتيجية الأمن القومي الجديدة لأوكرانيا، التي تنص على "تطوير شراكة مميزة مع الناتو بهدف العضوية في الناتو"، ووقع زيلينسكي المرسوم رقم 117/2021 بالموافقة على "ستراتيجية إنهاء الاحتلال وإعادة الاندماج في الأراضي المحتلة مؤقتاً لجمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي ومدينة سيفاستوبول".
قالت روسيا إن انضمام أوكرانيا المحتمل إلى حلف شمال الأطلسي وتوسيع الناتو بشكل عام يهدد أمنها القومي، وحينها اتهمت أوكرانيا والدول الأوروبية الأخرى المجاورة لروسيا بوتين بمحاولة استعادة الإمبراطورية الروسية أو منهجية الاتحاد السوفيتي واتباع سياسات عسكرية عدوانية.
ثالثاً. التداعيات
للأزمة وجه آخر، فسياسة الإدارة بالأزمة هي منهج واقعي تستخدمه الدول لتحقيق أهدافها، فسياسة بوتين الطامحة في إعادة روسيا كدولة فاعلة تشارك في عملية صنع القرار الدولي، ومحاولة روسيا احتواء أوروبا وبناء علاقة مصالح متبادلة واعتمادية أحادية في مجال الطاقة على روسيا، قد دق ناقوس الخطر اما صانع القرار الأمريكي بإمكانية عودة روسيا للساحة الدولية، لذا كان امام الولايات المتحدة خيار استمرار الضغط تجاه روسيا وخلق أزمة وادارتها بما يحقق مصالحها فقد لعبت الولايات المتحدة مع روسيا "لعبة صفرية" من خلال حصر روسيا بين خيارين كلاهما يسبب لها الخسارة.
الخيار الاول: ان تلتزم الصمت حيال انضمام اوكرانيا لحلف الناتو وبالتالي قواعد جديدة على حدود روسيا.
الخيار الثاني: ان تقوم روسيا بإجتياح اوكرانيا وتغيير حكومتها لصالح روسيا (وهذا ما يحدث) ولكن ترتب على ذلك عقوبات اقتصادية وخيمة ابرزها ايقاف مشروع (ستريم 2) خط الانبوب الذي ينقل الغاز من روسيا الى اوروبا والذي يعزز من اعتمادية اوروبا على روسيا، فضلاً عن سلسلة من العقوبات الاقتصادية المستمرة.
اختيار "بوتين" الخيار الخاسر الثاني يبدو متعلقاً بالأسباب التالية:
1. طبيعة صانع القرار: فشخصية بوتين وتاريخه تشير الى انه يرغب بالدخول في صراعات وحروب مثل اجتياح شبه جزيرة القرم وتدخل روسيا في الأزمة السورية وغيرها.
2. مناغمة الرأي العام الروسي للحفاظ على منصب الرئاسة اطول فترة ممكنة.
3. ارسال رسالة: يشعر بوتين بأن اظهار القوة للغرب قد يجعلهم يتوخون الحذر مستقبلاً في التفكير بأي خيارات عسكرية تجاه روسيا.
ضحت روسيا بالاقتصاد امام الأمن، وربحت الولايات المتحدة دون ان تدفع أية تكاليف جراء هذا الربح.
رابعاً. السيناريوهات
يشير المستقبل القريب الى احتمالين سيزيدان من حجم الضرر لروسيا اكثر فأكثر، الأول: احتلال أوكرانيا: وتحمل تكاليف هذا الاحتلال المادية والمعنوية مما سيولد رأي عام محلي (روسي) ودولي ضد سياسة بوتين، قد يسبب بتراجع حظوظه للبقاء في السلطة. وقد يدفع هذا الاحتمال الى المزيد من الفوضى الدولية، وانشغال الدول الكبرى والأمم المتحدة بالحرب بين روسيا - أوكرانيا، مما يدفع بعض الدول الى توظيف الأزمة الى تصفية حساباتها مع الخصوم كإحتمالية شن ضربات (إسرائيلية) تجاه إيران أو حلفائها خصوصاً في حال عدم وصول الأطراف الى اتفاقية نووية، وربما تنشط الخلايا الإرهابية في المنطقة او خارجها ومحاولة إستهداف دولاً او مناطق رخوة.
الخيار الثاني: إيقاف الحرب مما يسبب سخطاً داخلياً حول التداعيات التي شن من اجلها بوتين الحرب وما هي النتائج التي تحققت؟ فضلاً عن القلق الدولي من إمكانية تكرار المشهد في مكان اخر. مما يؤدي الى تأييد الغرب لسياسة الولايات المتحدة في تطويق روسيا عسكرياً، وزيادة الفجوة بين روسيا والغرب والمحاولة الجادة لأوروبا في إيجاد بدائل عن الطاقة الروسية.


.jpg&w=3840&q=75)
