إن جوهر وماهية الصراع على السلطة والنفوذ في سوريا يتمثل في تجسيد حقيقي لتنفيذ كافة الأجندات والخطط الأستراتيجية لسياسة التحالف والمحاور التي تشكلت نتيجة الصراع العالمي على توسيع النفوذ والتنافس على التبعية والسيطرة الفكرية والاقتصادية والثقافية والسياسية من خلال العولمة لتشكل الصورة الحقيقة للصراع الحديث على السيطرة وتنفيذ الأجندات. مما لاشك فيه أن شكل الصراع شهد تطوراً من خلال أسلوب الاقتال بالأسلحة التقليدية وحرب الجاسوسية الكلاسيكية الى الصراع الفكري وتشكيل مستعمرات يتم توجيها عبر أيديولوجيات تشكل جوهر إدارة التبعية والتحكم لتأخذ منحة الإنتقال الى حرب الوكالة او ما تسمى في العلوم والدراسات الحديثة حرب ما وراء الأفق.
إن الصراع في سوريا بكل مراحله التي عاصرتها تمثل في الصراع على السلطة من خلال الأنقلابات العسكرية المدعومة من بريطانيا وفرنسا التي عمِلت على تشكيل حكومات وسلطات عسكرية تابعة لها للتحكم في سوريا ومصادرة قرارها السيادي والتحكم بمقدرتها الاقتصادية وإرثها الحضاري الى فترة استحواذ البعث على السلطة في سورية في تجسيد التبعية الخارجية من خلال ماتسمى التبعية الصامتة عبر تنفيذ مصالح الدول والمحاور التي تقود الصراع في العالم، حيث كانت التبعية البعثية واضحةً للاتحاد السوفيتي الذي قاد المحور الاشتراكي في المنطقة من خلال جعله للشعب السوري رهينة للأيديلوجية الشيوعية في قيادة الدولة والمجتمع، وكذلك تبعية السلطة البعثية في سورية للمعسكر (الامبرالية) التي قادته الويلات المتحدة في حماية اسرائيل وحدودها ومصالحها لعقود من الزمن، اما الشعارات في المقاومة والممانعة فهي برأي كانت موجهة للاستهلاك الداخلي والخارجي، ولكي اقطع الشك باليقين فإن حرب اكتوبر مثلت قمة الصراع بين محور الاشتراكية والمعسكر المنافس في العالم من أجل الصراع على النفوذ والذي أرغم فيه البعث الشعب السوري على خوضه لصالح المعسكر الاشتراكي الذي وقف الى جانب سلطة البعث في سوريا بكل إمكانياتها العسكرية والسياسية في.
لا أود الخوض مطولاً في ماهية الصراع القديم الذي رافق تشكيل الدولة السورية واستقلالها التي كانت تشكل التعبية الواضحة من خلال دساتيرها ومختلف أجهزتها ومفاصل إدارة الدولة في تبعية واضحة للخارج وللدول المهيمنة على النفوذ في العالم والشرق الأوسط. ان توصيف الأزمة التي تشهدها سوريا منذ انطلاق ما يسمى الربيع العربي الى الآن من معاناة وهدم كافة ملامح الدولة انما يشكل تمثيل حقيقي وصورة عن تلك التبعية للخارج، وكذلك تمثيل حقيقي للصراع العالمي على تنفيذ الأجندات وتحقيق المصالح في سوريا الأمر الذي يلاحظه جلياً كل متتبع للأزمة في سوريا بأن الأزمة تدار من قبل الدول والأنظمة العالمية والإقليمية، والشعب السوري أرغم على تنفيذ تلك الأجندات من دون امتلاك أدنى مقومات إدارة لتلك الأزمة بل له النصيب الأكبر من المعاناة والهجرة والتشريد والقتل.
إن الإنخراط الإيراني في الأزمة السورية بكل مليشياتها منذ اليوم الأول من الأزمة لتنفيذ مصالحها ومشاريعها المذهبية والطائفية وتصدير مشاكلها الداخلية وجعل سورية رهينة وكورقة لتصفية حسابتها الخارجية، وكما أن الإنخراط الروسي في الأزمة لصالح سلطة دمشق إنما تمثيل حقيقي لسلب القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في سوريا، وجعل البد العمق الحقيقي والساحة الخلفية لإدارة صراعها مع الناتو في سوريا الأمر الذي تجلى واضحاً في الحرب الاوكرانية. والدور الأميركي السلبي في الصراع السوري الذي اكتفى بدور المتفرج ومع السيطرة على منابع الطاقة والدعم السياسي والدبلوماسية غير العلني لدعم سياسات ومصالح إسرائيل في سوريا وسوق الذرائع لشرعنة استمرارية وجودها في سوريا من خلال محاربة الإرهاب، وكذلك الدور التركي جاء أكثر سلبية ومدمراً على الشعب السوري عاماً وعلى القضية الكوردية على وجه الخصوص في الأزمة السورية، من خلال الأصطفافات الخاطئة لبعض الفئات من الكورد المسلوبي القرار والمتاثرين بأجندات من خارج الحدود السورية، ليجسد الدور التركي أبشع أشكال الاستغلال للشعب السوري اللاجئ في تركيا من خلال ابتزاز العالم به وأستغلاله في تنفيذ أجنداتها داخل الأراضي السورية وفي صراعتها في ليبيا وأذربيجان والكثير من المناطق الأخرى. إن الدور التركي السلبي على الشعب الكوردي وقضيته تمثل في إحداث تغير ديمغرافي في المناطق الكوردية التي أستقطعتها من سوريا وأنكار الوجود الكوردي الأصيل فيها.
كما أن الخوض في مسائل الصراع في سوريا يحتاج الى افراد الكثير من الأبحاث والدراسات لتحليلها ودراسة نتائجها، لكن في المحصلة ما يهمني أن يعلمه القارئ الكريم هو أن الصراع في سوريا يمثل صورة حقيقية في التبعية للمحاور وللتنافس والصراع على تنفيذ الأجندات والمصالح على حساب الشعب السوري ومعاناته وطموحه في الحرية والمساوة والتعايش السلمي والديمقراطية، ولكن السؤال الذي يراود مخيلة كل سوري هو أنه الى متى سيبقى هذا الشعب أسير سلطات وأنظمة متسلطة على مقدرة بلده لتجعل منه رهينة مسيطرة عليها لتحقيق التبعية في تنفيذ مصالح الدول ذات النفوذ، وهل سيبقى بمعزل عن التأثر والاستفادة من مفاهيم وتجارب وخبرات الدول والحركات التحررية في العيش بكرامة ومحاربة الديكتاتورية؟.



.jpg&w=3840&q=75)