رووداو ديجيتال
مع حلول أطول ليالي السنة ليلة(21 كانون الأول) والتي يحدث فيها الانقلاب الشتوي، يحيي الكورد الزرادشتيون ليلة يلدا بوصفها مناسبة ثقافية ذات جذور قديمة، ارتبطت بدورة الطبيعة وتبدل الفصول، حيث يبلغ الليل ذروته قبل أن تبدأ ساعات النهار بالازدياد تدريجياً.
وتختلف طريقة إحياء هذه الليلة من بيت إلى آخر، إذ يُنظر إليها في الذاكرة الشعبية على أنها لحظة انتظار للنور بعد طول الظلام، ما جعلها مناسبة للتجمع العائلي والسهر الطويل حتى شروق شمس مولودة.
ومن الضروريات التي تصحب هذا التجمّع الأسري هي مشاركة الأقارب وخاصة كبار السن، وذلك يرمز الى شيخوخة الشمس في نهاية الخريف، فضلاً عن تقديم أطعمة ذات دلالات رمزية لقضاء هذه الليلة الطويلة منها البطيخ الأحمر الذي يعتبر سيد المائدة ثم الرمان والعنب والفاكهة الطازجة والمكسرات وكل ما يميل لونه الى الأحمر لون الشمس. إلى جانب تبادل الحكايات الشعبية واستحضار ذاكرة الأجداد.
غير أن قراءة هذه الليلة لا تأتي واحدة لدى جميع المكونات، إذ يقدّم السيد لالو رنجدر، ممثل الزرادشتية في وزارة أوقاف إقليم كوردستان، رؤية مغايرة، موضحاً أن ليلة يلدا في الموروث الزاكروسي ليست للتعبير عن الفرح، بل تُعد ليلة نحس من حيث دلالاتها الطبيعية والمناخية.
ويشير رنجدر إلى أن هذه الليلة يُنظر إليها بوصفها نذيراً بانخفاض درجات الحرارة واشتداد الصقيع، مع الدخول في مرحلة قاسية من الشتاء تُعرف باسم "السهرة"، وهي فترة لا ترتبط بالاحتفال بقدر ما تستدعي الحذر والاستعداد لموجات البرد. ويضيف أن جذور هذا الفهم تعود إلى الزاكروسيين، الذين، ورغم اعتبارهم الليلة حاملة لأخبار غير طيبة من حيث الطقس، اختاروا مواجهتها بالفرح، تعبيراً رمزياً عن التحدي والصمود أمام قسوة الطبيعة.
وبين هذه القراءات المتعددة، بدأ بعض الأهالي إحياء ليلة يلدا منذ مساء يوم أمس السبت، وفق اختلاف التقاليد المحلية وتوقيت الانقلاب الشتوي.
وفي هذا السياق، شهدت مدينة أربيل احتفالات بهذه الليلة في أكثر من مكان، تنوّعت بين تجمعات عائلية داخل البيوت، وفعاليات ثقافية واجتماعية، تعكس استمرار حضور هذا الموروث في الحياة اليومية، رغم تغير أنماط العيش وتبدل الإيقاع الاجتماعي.
وزارة الأوقاف في إقليم كوردستان تدعم مثل هذه الفعاليات التي تسهم في الحفاظ على التنوّع الديني والثقافي، وترسيخ قيم التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين جميع المكونات.
وتبقى ليلة يلدا، بكل ما تحمله من تفسيرات متباينة، مناسبة ثقافية مفتوحة على التأويل، تجمع بين الذاكرة الشعبية، ومواجهة الطبيعة، والرغبة الإنسانية الدائمة في انتظار الضوء بعد أطول ليل في السنة.



