رووداو ديجيتال
هژار غازي شاب كوردي، في كل مرة يزور فيها نصب الأنفال في جمجمال، تسوقه قدماه الى أضرحة هؤلاء الأطفال الذين قضوا في سجون دبس ونكرة السلمان، كونه احد الذين ولدوا في سجن دبس وانقذت حياته بصعوبة. وهو يقول انه كلما نظر الى اي ضريح، يتخيّل انه كان يمكن ان يكون احدهم.
هژار هو أحد الناجين من عملية الانفال، ويعيش في ناحية شورش التابعة لقضاء جمجمال. ولد داخل السجن عندما جاء المخاض لوالدته، حيث طالبت النساء الموجودات بالسجن معها الجنود العراقيين بمساعدتها ونقلها الى المستشفى او اي مكان آمن، لكن الجنود رفضوا، افضطرت النساء للوقوف على أرجلهن لانشاء ساتر واشراف احداهن على عملية الولادة.
يكمل الشاب الكوردي قصته التي روتها له والدته، ويقول: "حاولت النساء كثيرا ان يحصلن على شفرة او شيء لقص الحبل السرّي، لكن الجنود رفضوا، لذلك قمن باحضار حجرين لقصّ الحبل. انا وُلِدت بهذه الطريقة".
تجسّد الناجيات من سجون دبس ونكرة السلمان، شواهد عيان على الحوادث المريرة والصعبة التي وقعت داخل تلك السجون. والعمّة ريجاو هي احدى الناجيات من الأنفال ولها أكثر من 10 أشخاص من المفقودين في العملية.
تسكن العمة ريجاو في جمجمال، وهي تقول: "كان الأطفال يموتون داخل السجن كتساقط اوراق الشجر"، حسب قولها كان يموت اكثر من 50 طفل في السجن يومياً دون ان يكترث احد، وكان الجنود يقولون لهن "لا علاقة لنا بالأمر، ليموتوا".
لدى العمة ريجاو قصص أليمة، هي تتحدث عن نساء فقدن حياتهن خجلاً وألماً ومرضاً وجوعاً على مرأى الجنود العراقيين. وتقول: "كيف سيكون الوضع بالنسبة لمرأة تلد تشعر بهذا الألم ولا يأتي أحد لمساعدتها، رغم صراخنا لم يكن لذلك جدوى، انا كنت واحدة منهنّ، امسكت خرقة في احدى قاعات السجن لتلد امرأة طفلها، لكن الأطفال كانوا يموتون كأوراق الشجر، كانت توجد ايام يتوفى فيها اكثر من 50 طفلاً".
(رووناکییەکانی نێو شەوەزەنگ - ضياء بعتمة الليل) كتاب يحكي عن الحياة وجريمة الأنفال بلسان أربعة أطفال ولدوا في قاعات سجن دبس.
ويقول مؤلف الكتاب اسماعيل هناريي انه "في البداية كانوا يقولون ان عدد الأطفال الاحياء من الذين ولدوا في السجن يفوق الأموات منهم، لكن بعد متابعة الأمر مع مدير الشهداء والمؤنفلين تبيّن لنا ان (أربعة منهم فقط نجوا وهم من ناحية تكية جبار)".
أحد الاطفال يدعى نجات، اخلي سبيله مع اقاربه بعد ايام من ولادته، لذلك سمّوه بهذا الاسم. واحدهم الآخر كان يدعى غمبار (حزين) وبعد تحررهم غيروا اسمه الى دلشاد (سعيد). غالبية هؤلاء الأطفال نجوا مع امهاتهم وراح ابائهم ضحية الأنفال، وبقت مشقّة تربيتهم ورعايتهم على عاتق الوالدات.
فُقد والد هژار في عملية الأنفال على يد النظام السابق، وعقب 20 عاماً توفيت والدته التي كانت معيله الوحيد جراء سقوطها من اعلى سطح، هو الآن متعاقد منذ 11 سنة مع دائرة المياه في شورش. ويطالب بإعادة رفات اقربائه ورفات المؤنفلين الآخرين، كذلك تأمين الخدمات لناحيته وتعيينه على الملاك الدائم.
بطانية العمة ريجاو واطفالها
منذ 35 عاماً، تحتفظ العمة ريجاو ببطانية كانت وسيلتها الوحيدة لتدفئة صغارها داخل السجن، حيث رعت أربعة أطفال داخل السجن بهذه البطانية التي كانت فرشاً وغطاءاً لهم. وان هذه البطانية تمثل اتعس ذكريات الحياة بالنسبة لها ولأسرتها، في الجريمة التي لم ينجد احد الكورد فيها.
"طلب الخيار حتى انفاسه الأخيرة"
يروي هژار الناجي من الانفال قصة احد ابناء عمّته نبات، يقول ان الطفل شاهد حبة خيار بيد احد الجنود، فرغبها وطلب قطعة، لكن السجناء لم يتمكنوا من الحصول عليه ولم يقم الجنود باعطائه قطعة، لذا قامت والدته بإعطائه نعالاً أخضراً وبقي الطفل ممسكاً به حتى انفاسه الأخيرة".


