رووداو ديجيتال
نقطع مسافة 70 كيلومتراً شمال مركز محافظة دهوك، في اقليم كوردستان، حيث تخبأ لنا الطبيعة هناك مفاجآت جمالية بين الجبال والوديان.. نجتاز نواحي وقرى، مثل زاويتة وقدش ونجتاز ناحية سرسنك، وما ان نترك سولاف، اجمل مصايف دهوك، حتى تبدو لنا مدينة كانها تطفوا في الفضاء، قريبة من الشمس، بل اقرب للشمس من كل مدن العراق، مدينة كأنها من بناها حلم بها ورسمها في خياله قبل ان يبنيها، متسيدة على قمة جبل مثل قلعة تقاوم الزمن وتنتصر على محنه لتبقى هناك متألقة وبهية تزهو بالوان الطبيعة.. الوان البيوت العتيقة التي تتداخل مع صخور الجبل وجدران الأبنية الحديثة.. تلك هي مدينة العمادية.
العمادية، باللغة الكوردية (ئامێدی، Amêdî)، بنيت فوق صخرة صلدة وقوية ترتفع عن مستوى سطح البحر 1400 متر، بذلك تكون أعلى مدينة في اقليم كوردستان وفي عموم العراق.. مدينة فوق سطح العراق، لتكون عصية على الأعداء، ولتشكل قلعة طبيعية صعبة المنال.. لا نصعد اليها بل نرتقي الى عليائها بواسطة طريق حديث، لكن بلوغها قبل مئات السنين كان يتم من خلال بوابتين فقط، البوابة الشرقية والبوابة الغربية وبواسطة البغال او الحمير.
في مدينة العمادية يتداخل التاريخ بالحاضر، الزمن يخرج من بين هذا التداخل محايداً، لا ينحاز للماضي ولا ينتصر للحاضر بل ينساب مثل جريان ماء الأنهر وعيون الماء المحيطة بالمدينة في الوادي.. الزمن هنا مسترخيا ولعل سكانها اخذوا هذه الصفة من الزمن نفسه.. يتداخل العمران، عمارة اثرية او تراثية وبجانبها بالضبط بناء حديث.. شرفات تطل على واد سحيق تعانق الريح وأسطح عالية تقترب من الغيوم، وفي الخريف تغرق المدينة في ضباب شفيف.. يتداخل تاريخ السلاطين والحكام والولاة الذين حكموا المدينة.. حتى أزقتها متداخلة، زقاق يمضي الى زقاق.. ازقة تدور حول نفسها ولا تنتهي، الى اين تنتهي؟ فهناك الحافات، هناك الوادي السحيق، لهذا أدخل في زقاق فيقودني الى آخر او ينتهي ببيت عتباته مؤثثة باصص الورود فاجلس عند تلك العتبة بعد ان نال مني تعب الدوران في هذه الازقة التي لا تشبهها اية ازقة ببغداد او الموصل او البصرة او غرناطة.. فضاء يخيم عليه الهدوء، والاصوات تصل مثل همس من وراء شبابيك المنازل.. لا ضجيج في هذه المدينة.
السكان، ولأسميهم (العماديون)، نسبة الى العمادية، يعرفون بعضهم بعضا وكأنهم من نسل واحد ومن شجرة واحدة، نتمشى في سوقها العتيق المرصوف بالحجر ونسأل عن من يعرف رئيس المركز الثقافي في العمادية، محمد شريف، وهو ابن المدينة اب عن جد، ليتحدث لرووداوعن تاريخ وواقع المدينة، فيتطوع اكثر من شخص ليدلنا على مسكنه.
يعلق شريف بأن " العمادية مثلما واضح مدينة صغيرة وسكانها محدودون وناس تعرف ناس لأنهم كلهم متجاورون او متصاهرون فعدد سكان مركز العمادية لا يزيد عن الف و500 نسمة، بينما سكانها كقضاء يبلغ 8 الاف نسمة، ومساحة المدينة التي فوق الصخرة تبلغ الف متر طولا و575 متر عرض"، مستدركاً: "لكن قضاء العمادية هو ثاني اكبر قضاء من حيث المساحة ويضم 6 نواحي، 340 قرية".
يقودنا شريف الى البوابات التاريخية للعمادية وبعض آثارها قبل ان يستقر بنا المطاف في مسجد العمادية الكبير بمنارته الاثرية.. هناك حيث يخيم السكون اخبرنا بأن "هذا الجامع هو أقدم بناية في العمادية"، منبّهاً أن "هذه البناية لم تكن جامع بل مركز عبادة او معبد لكل الأديان التي توالت على العمادية: الميدية والآشورية والميثرانية والزارادشتية وأخيرا الإسلامية حيث حوله المسلمون الى جامع بعد ان اضافوا اليه ما يتناسب والدين الاسلامي"، مشيرا الى ان منارة العمادية "تم بناؤها قبل 900 سنة، اي بعد بناء منارة الحدباء ومنارة جامع النور في الموصل بخمس سنوات".
بالرغم من ان هناك بعض المصادر تشير الى ان العمادية بنيت عام 1142 على يد عماد الدين الزنكي، القائد التركي الذي حكم الموصل وحلب وحماة ثم أورفا بأمر من الإمبراطورية السلجوقية الكبرى، الا ان محمد شريف يؤكد ان "عمر المدينة يمتد الى خمسة الاف عام، بناها الميديون حسب المصادر الآشورية، وهناك بعض المصادر تقول أن وجودها يعود إلى العصر البرونزي"، مضيفا انها كانت "عاصمة لإمارة بهدينان الكُردية، وحكمها 37 ملك وامير وسلطان ووالي، كل من يحكمها يطلق على نفسه لقب معين، الا ان اهم من حكمها هو السلطان حسين الذي لقبه الأهالي بالولي لعدله وتقيه واهتمامه بالناس، وسار على خطاه حفيده قوباد الذي تحمل اليوم المدرسة الابتدائية اسمه، وهي اقدم مدرسة حكومية في المنطقة"، لافتاً الى أن "مقبرة السلاطين الموجودة في العمادية تضم رفات السلطان حسين وابنائه واحفاده واخته وبعض افراد العائلة".
من ابرز آثار العمادية وحسب محمد شريف فان هناك "عددا من الآثار التي تعود للحقبة الآشورية إضافة إلى آثار من الحقبة العربية الإسلامية حيث توجد نقوش بالخط العربي الكوفي وآيات قرآنية على بعض من أبواب المدينة كما تضم البلدة كنيسة أثرية وأنقاض كنيس يهودي".
اشار محمد شريف الى انه "كان في المدينة عدد كبير من المسيحيين لكن اغلبهم هاجر ونسبتهم اليوم 3 بالمائة من سكان المدينة، كما كان هناك العديد من العوائل اليهودية وقد تم تهجيرها في خمسينيات القرن الماضي الى فلسطين، ويوجد خلف مسجد العمادية قبر لشخصية دينية يهودية يقال انه نبي ومن نسل النبي يوسف.. كما توجد قلعة العمادية والتي تقع شمال غرب المدينة. وفيها مدرسة قوبهان القديمة التي كانت تدرس 12 علم، علوم عقلية ونقلية، وكان طلبة العلم يتوافدون اليها من باقي مناطق العراق وتركيا ويران وسوريا، وخريج المدرسة يسمى حامل الـ 12 علماً، وكانت تضم غرفاً لمبيت الطلبة أيضاً. وكانت المدرسة على صلة مع الجامع الأزهر في أوائل القرن المنصرم".
واضاف: "من ابرز آثار العمادية هي بواباتها، واهمها باب الموصل، حيث يمتد منها طريق البغال إلى مدينة الموصل، وتحمل ايضا تسمية باب بهدنان، في غرب المدينة، ومن هذه الباب كان يدخل السقا ليوزع الماء على السكان عندما تجف آبار العمادية، حيث يتم جلب المياه من العيون الموجودة في الوادي، لهذا يسمى هذا الباب ايضا بـ (باب السقا)، ويخضع حاليا للترميم.. وكذلك باب زيبار في شرق المدينة ويمتد طريق لقوافل الحيوانات منه إلى كلي زنطه ومنها إلى مدينة اربيل التاريخية.. وباب الباشا الذي يعلوه شعار الإمارة الذي هو شعار عائلة الباشا الحاكمة فيها حينئذ. ويمتد منها طريق يسمى (كولانا قوجا) ومنه إلى كلي مزيركا حيث يمتد شمالاً ليصل إلى الحدود التركية وإلى مدينة جولميرك التاريخية في تركيا".
تشتهر العمادية بصناعة الراشي (طحينية السمسم)، اذ لا يمكن لاي زائر لها الا ان يعود ومعه علبة او اكثر من (راشي العمادية)، يقول محمد شريف: "هذه الصناعة قديمة جدا ويبلغ عمرها مئات السنين ذلك لان حبوب السمسم الشهيرة تُزرع في اطراف العمادية، وهناك معامل تقليدية تعمل على قوة تدفق مياه النهر، ويصنع الراشي بطريقة تقليدية بلا اية تدخلات تكنولوجية او اضافات صناعية لهذا بقي معروفا ومشهورا".
ما شكى منه مدير المركز الثقافي لمدينة العمادية، محمد شريف، هو ان "المدينة تفقد تدريجيا طرازها المعماري التقليدي بسبب العمارة الحديثة، وبيوت اليوم لا تشبه البيت التقليدي وهذا سببه ايضا الأوضاع المادية السيئة، ومسؤولية الحفاظ على الطراز المعماري تقع على الحكومة وعلى منظمة اليونيسكو". اما الامر الثاني فهو "ركود النشاط الثقافي حيث لا وجود لأي دعم لمركزنا او لاي نشاط ثقافي بالرغم من التاريخ الحضاري للعمادية، لا يوجد مسرح او سينما ولا حتى نشاطات ثقافية بسيطة للاسف".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً