رووداو ديجيتال
كشف الأكاديمي مروان رحمن، أن عملية العثور على رفات المؤنفلين من البرزانيين الكورد في صحراء السماوة تمت بدعم مباشر من مستشار رئيس الجمهورية السابق عبدالله العلياوي، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي أصدر موافقة "سرّية" للبدء بالبحث.
وقال رحمن في لقاء مع شبكة رووداو الإعلامية، إن معرفة قديمة تربطني بالعلياوي حينما كنت أدرس الدكتوراه في روسيا، دفعته للاستعانة بي للمساعدة في عملية البحث عن رفات المؤنفلين، وقبلت المهمة، مبيناً أن عملية البحث، التي تمت بموافقة سرية من قبل الكاظمي، توقف فيما بعد بقرار من الحكومة المحلية في السماوة لمنع الوصول إلى مواقع البحث.
وأضاف أنه بعد العثور على مواقع لمقابر جماعية، وصل الخبر إلى الرئيس مسعود بارزاني، وعلى إثر ذلك استقبلنا في أربيل، وأبلغنا أنه جاهز لتقديم كافة الدعم، حتى لو لم تكن هذه الرفات للكورد، بل سواء كانت لعراقيين عرب أو كويتيين.
وأدناه نص المقابلة:
رووداو: لديكم قصة مهمة جداً، خاصة وأنها تتعلق بذوي ضحايا الأنفال. كيف بدأتم بهذا الأمر؟ وكيف فكرتم في البحث عن مقابر جماعية للكورد بينما أنتم من أهالي المنطقة؟
مروان رحمن: بداية القصة أنني بصراحة لم أكن أعرف أي معلومات عن الرفات ومقابر الكورد. في نهاية عام 2020 جاء وفد كوردي إلى روسيا، وأنا أدرس الدكتوراه هناك، وكان ضمن الوفد شخص اسمه الدكتور عبد الله العلياوي، ربما تعرفونه، وكان حينها وزيراً. عملت معهم مترجماً لمدة ثلاثة أيام، وتكوّنت صداقة بيننا. عندما عدنا إلى العراق، قلت له: تعالَ زرنا في الديوانية، آخذك إلى صحراء السماوة، كان الوقت ربيعاً ونقوم بالصيد. عندما سمع بموضوع الصحراء قال لي: دكتور مروان، طالما أنك تحب رحلات الصحراء والصيد، أريدك أن تأتي إليَّ إلى بغداد لنتناقش في موضوع ما. كان حينها مستشاراً لرئيس الجمهورية.
ذهبت إلى بغداد فقال لي: "هناك موضوع مهم ويحتاج إلى أشخاص مخلصين، وأنت صديق وقد عرفتك منذ فترة. أريدك أن تأخذ الموضوع بجدية، وتساعدنا في كيفية العثور على رفات الشهداء الكورد من إقليم كوردستان". قلت له: والله أنا مهندس مدني ولا أملك معلومات عن هذا الموضوع، لكن أعدك أنني سأبحث وأسأل.
رجعت إلى عمي أبو محمد (قحطان فضل الشمري) وقلت له إن الدكتور عبد الله صديقي وطلب مني مساعدته. جلسنا نفكّر كيف يمكن أن نصل. الدكتور عبد الله قال إن الموضوع ينحصر في السماوة، وإن كنت تريد أن تبحث عن المقابر فعليك أن تبحث هناك. فأعطاني عمي فكرة وقال يجب أن نصل إلى أشخاص كانوا يعملون في السجن، بأي وسيلة. بقينا نبحث قرابة ستة أشهر، إلى أن حصلنا على شخص لديه أرشيف يمكن من خلاله الوصول إلى المكان.
رووداو: هذه وثيقة في غاية الأهمية وسنتناولها لاحقاً، لكن حبّذا لو تكمل القصة الآن.
مروان رحمن: في هذا الدليل، كانوا قد حددوا المنطقة التي نُفّذت فيها العملية. اتصلت مباشرة بالدكتور عبد الله وأخبرته بأن لدينا وثيقة ترشدنا. فأرسلوا لنا الدعوة وجئنا إلى الإقليم، إلى وزارة الشهداء والمؤنفلين. عقدنا اجتماعاً معهم، وقلنا لهم إن الموضوع يحتاج إلى توفير سيارة ومبلغ بسيط للناس مع بعض الهدايا من أجل تسهيل المساعدة. ربما لم يصدقوا، أو تصوروا أنني أريد الاستفادة مادياً. فخرجنا إلى الباب وكان معنا الدكتور عبد الله، فقال لي أثناء الحديث: "انسَ الوزارة وكل شيء، أنا سأبيع سيارتي، خذها وبِعها، وهذا المبلغ، حوالي 40–50 ألف دولار، تصرّف به إلى أن تعثر على الشهداء".
أنا رفضت بالطبع، وقلت له: كيف أقبل هذا؟ واتفقنا على أن يتحمل نصف المبلغ، وأنا وعمي النصف الآخر. وبدأنا العمل. أما الوثيقة فقد اشتريناها بمبلغ لن أفصح عنه، ثواباً للشهداء.
رووداو: كيف حصلتم على الوثيقة؟ ومن الشخص الذي باعها؟
مروان رحمن: شخص كان قد جمع مستندات ووثائق بعد سقوط النظام في السماوة. كان معتقلاً سابقاً في مديرية الأمن هناك، ومن داخلها جمع وثائق كثيرة.
رووداو: هل ما يزال هذا الشخص على قيد الحياة؟
مروان رحمن: أعتقد أنه ما يزال موجوداً.
رووداو: وهل هو من أهالي السماوة؟
مروان رحمن: نعم، من أهالي السماوة.
رووداو: هل لديه الكثير من الوثائق؟
مروان رحمن: لا، لديه وثيقة واحدة تخص الكورد، والباقي عن شهداء عراقيين. عرض علينا هذه الوثيقة وقال إنها قد تفيدنا. وبعد أن رأيناها ووجدنا أنها مهمة، طلب مبلغاً مقابلها. فاتصلنا بالدكتور عبد الله واشتريناها مناصفة.
رووداو: أي إنكم اشتريتم الوثيقة في النهاية؟
مروان رحمن: نعم. ثم ذهبنا إلى الموقع قبل أن نأتي.
رووداو: حصلتم على الوثيقة وعثرتم على الموقع، ثم ماذا؟
مروان رحمن: قلت لك، جئنا إلى مؤسسة الشهداء. الوثيقة كتبها أحد ضباط مديرية الأمن العامة.
رووداو: لكن هنا في الوثيقة ليس واضحاً، هل هو عام 1982 أم 1983؟
مروان رحمن: 1983.
رووداو: هنا مكتوب 1983 أم 1982؟
مروان رحمن: في بداية آب عام 1982، لا 1983.
رووداو: إذن النقطة الأولى تموز 1982؟
مروان رحمن: لا، الوثيقة كُتبت في 29/2/1989، أي أنها تقرير متأخر.
رووداو: إذن التقرير كتب عام 1989.
مروان رحمن: نعم.
رووداو: ويتحدث عن أحداث 1982.
مروان رحمن: للتوضيح، الضابط كتب التقرير سنة 1989، بعد أن وُجه إليه سؤال: ما موضوع البرزانيين؟ وماذا فعلتم بهم؟ فأجاب عمّا حدث سنة 1983 بأعدادهم وتفاصيلهم بعد مرور ست سنوات.
رووداو: إذن القضية حدثت عام 1983؟
مروان رحمن: نعم، حدثت في 1983.
رووداو: وما هي بصية؟
مروان رحمن: منطقة "بصية".
رووداو: نُقلوا إلى بصية وتمت الأنفال هناك وفقاً للوثيقة؟
مروان رحمن: يجب أن أنوّه هنا: الدكتور عبد الله استحصل لنا الموافقات الأمنية. كان مصطفى الكاظمي حينها رئيساً للوزراء، فاتصل به مباشرة وقال له إننا فريق خاص، فحصلنا على موافقة سرية ورافقنا ضابط أمن بغداد لأن دخول المنطقة يحتاج موافقات. وطلبنا السرية المطلقة. الوثيقة توضح أيضاً أمراً مهماً: عدد 667 من "المهمّين"، أي قياديين، تم تنظيم تهم لهم. وفيها عبارة: "تم تنفيذ حكم الشعب في الخونة البرزانيين"، ويقصدون بحكم الشعب حكم الثورة، أي محكمة الثورة التابعة لحكومة البعث.
رووداو: إذن من خلال هذه الوثيقة توصلتم إلى الطريقة والمكان؟
مروان رحمن: نعم. في الفقرتين 2 و3 ذكرت المنطقة. قال: "تم استلام 2225 من الخونة" وتم نقلهم بواسطة حافلات إلى منطقة بصية. وبصية هي صحراء تشكل تقريباً 30% من مساحة العراق، تمتد من السعودية وصولاً إلى البصرة والحدود الكويتية.
رووداو: وهل بصية ناحية أم قضاء؟
مروان رحمن: كانت ناحية، الآن قضاء، لكنه من أكبر الأقضية. يشكل 30% من مساحة العراق أو أقل قليلاً.
رووداو: كيف قررتم من أين تبدأون البحث؟
مروان رحمن: أنا ابن قبيلة شمر، ولدينا علاقات واسعة، والبدو هناك أغلبهم من القبيلة. فقلنا لابد أن هناك من يعرف شيئاً عن تلك الحادثة؛ لأن الأمن الذي يجلب السجناء لن يدخل عمق الصحراء، بل أماكن قريبة من المدينة. المسافة من السماوة إلى بصية تقريباً 300 كيلومتر. بقينا نسأل 5–6 أشهر إضافية. حتى قيل لنا إن هناك شخصاً كان يُجبر على جلب الماء للسجن، يسمونه "صخرة" أي يؤخذ بالقوة. هذا الشخص يعرف المكان. وهناك أناس قالوا إن الكورد كانوا حين يُنقلون بأعداد كبيرة يُجبرون على التصفيق والغناء بأغانٍ كوردية مثل: "زێره ما زێره، صدام زێره" كنوع من الإهانة، أو ربما بغرض خداعهم ليعتقدوا أنهم سيُطلق سراحهم. وبعدها يُنفّذ بهم الحكم. تراجيديا لا مثيل لها. ما بلغنا من الناس هناك أن بصية تضم رفات شهداء من كل العراق، وليس فقط من الكورد، وربما بينهم إيزديون وتركمان وحتى كويتيون، لأن المكان بعيد وشاسع. وكان الشخص البدوي يُجبر على نقل الماء للصهريج، وله أغنام، ويعلم مواقع الدفن.
رووداو: كان ذلك في وقت سجن الكورد؟
مروان رحمن: نعم. في تلك الفترة كان أغلب السجناء كورد.
رووداو: هنا تذكر الوثيقة أنهم نُقلوا من أبو غريب؟
مروان رحمن: نعم، من أبو غريب في بغداد إلى جنوب العراق، إلى بصية، لتنفيذ حكم الإعدام.
رووداو: ذكرتَ أن امرأة مسنّة ترى رؤيا؟
مروان رحمن: نعم، والدة ذلك البدوي. كانت ترى في المنام فتاة شابة تأتيها وتقول لها: "خذوني إلى أهلي". دائماً تقول: "خذوني إلى أهلي". وحتى بعد اكتشاف المقابر استمرت رؤيتها.
رووداو: كيف عرفوا أن المكان هو مقبرة؟
مروان رحمن: يقولون إن الأمن عندما يأتي يمنعهم قائلاً: لا تخرجوا بالأغنام اليوم. نبقى في البيوت. ثم يسمعون إطلاق النار. وبعد انسحاب الأمن يرون الأرض مستوية، فيعرفون أن هناك مقابر.
رووداو: عثرتم على مقبرة جماعية تضم قرابة 98 أو 100 بارزاني. كيف تأكدتم بأنهم بارزانيون؟ ما الدليل؟
مروان رحمن: بعد أن بلغنا ذلك الشخص بالمكان، ومعنا عمّال بدو، وحضر معنا شخص من الأمن. فقلنا لنجرب. حفرنا متراً واحداً فقط، فظهرت الملابس الكوردية، والزي الكوردي، ووجدنا قطع ذهبية للأطفال. فأدركنا أنها قبور للكورد. اتصلنا بالدكتور عبد الله فوراً.
رووداو: ما الدليل الرسمي الذي احتاجته الجهات؟
مروان رحمن: الشخص الذي معنا من الأمن أخذ عينات من الرفات والملابس وأرسلت إلى كوردستان.
رووداو: وتبين أنها مقبرة للبارزانيين؟
مروان رحمن: بعد أسبوع أو 10 أيام اتصل بي الدكتور عبد الله وقال إن الرئيس يريد لقاءنا شخصياً. وأن الرئيس مسعود بارزاني يقول إن نتوجه إلى الإقليم. وجاءت تذاكرنا وحضرنا. وكان معنا أحد البدو الذي ساعدنا. توجهنا إلى القصر، وكان وقتها الحجر الصحي لكورونا. وتبين أن الشخص الذي معنا مُشتبه بإصابته، فخيّرونا بين البقاء 10 أيام أو العودة. فقلنا نعود. وبينما نحن نتجه للسيارة، جاء شخص يرتدي بدلة رسمية يركض وينادي: "دكتور! دكتور!" على الدكتور عبد الله. وقال: ليأتِ الدكتور مروان وعمه، الرئيس يريد اللقاء. فدخلنا. استقبلنا أخو الرئيس من مسافة بسبب الحجر. ثم دخل الرئيس. سلّم وجلس. وقال: "قبل أيام جاء وفد من إحدى السفارات وكان هناك اشتباه بكورونا، فاعتذرنا عن استقباله، لكن أنتم وعلى هذا العمل النوعي، أحمد الله أنني التقينا بكم". وقال إنهم كلفوا دولاً ومؤسسات ولم يصلوا لما وصلنا إليه. وقال إن الشعب الكوردي شاكر لكم.
رووداو: كم استغرق اللقاء؟ وعن ماذا تحدث؟
مروان رحمن: قيل لنا قبل الدخول إن اللقاء سيستغرق 30 دقيقة فقط لأن وفداً سيصل من السليمانية ومن بغداد، وكان ذلك أثناء تشكيل الحكومة عام 2022. فكنت أنظر للساعة أثناء الحديث، فقال الرئيس: "دكتور، لا تنظر إلى الساعة، أكمل حديثك". قلت له: قالوا لنا إن لديكم ضيوفاً. قال: "رفات الشهداء أهم من تشكيل الحكومة. لو اليوم كله تتكلم. يتأجل الوفد من أجل الرفات". وأضاف: "هذه الرفات سواء كانت لشهداء كورد أو عرب أو تركمان أو كويتيين، فأنا متطوع مثلكم لتسليمها لأهلها، لأنهم أسسوا الحرية التي نعيشها اليوم".
رووداو: بعد ما تحقق، أصبح البحث أصعب الآن، لماذا؟ وما هي القرارات الجديدة؟
مروان رحمن: المشكلة أن النية يجب أن تكون خالصة لله. الرئيس قال: "اطلبوا ما تريدون وأنا حاضر". فقلت له: لا نطلب شيئاً. وبالنسبة للمال الذي صرفناه فهو قليل جداً مقابل ما سمعناه من مآسٍ، وأنا أخجل أن أطلب أجراً على رفات إخوتي. وقال عمي الشيء ذاته. فقال الرئيس: هذا موقف مشرّف لكم، وستكون لكم زيارة ثانية لالتقاط الصور بعد زوال إجراءات كورونا. وأخبرنا أنه سينشر للشعب ما قمنا به.
رووداو: محافظ السماوة أصدر قراراً يمنع الذهاب إلى تلك المواقع، هل حاول آخرون بعدكم؟
مروان رحمن: بعد القرار أصبح من الصعب التحرك. في ذلك الوقت أعطى الكاظمي الموافقة بشكل سري للغاية، وساعدنا الدكتور عبد الله وضابط من بغداد. أقترح اليوم أن يُشكّل فريق خاص من وزارة الشهداء في الإقليم ومؤسسة الشهداء في بغداد، فريق من 10–11 شخصاً، له غرفة عمل، ويتمركز في تلك المناطق لمدة سنة أو أقل، وسيعثرون على رفات جميع الشهداء، ليس فقط من كوردستان، بل أيضاً العرب والكويتيين. المنطقة شاسعة ولا يمكن الكشف عنها بالمسح الجوي، بل عبر الناس الذين يعرفون هذه القصص، وهم مستعدون للمساعدة عندما يكونون مطمئنين.
رووداو: ما هي كلمتك الأخيرة للشعب الكوردي وللشعب العراقي؟
مروان رحمن: رسالتي أننا إخوة. مهما كنتُ بعيداً في الصحراء، يبقى أخي في أعلى جبال كوردستان، ويجب أن أساعده ويجب أن يساعدني، لأننا جسد واحد رغم الظروف. وهذه المساعدة دليل أننا إخوة. والشكر الأكبر للدكتور عبد الله العلياوي. شهادتي به مجروحة، لكنه أكثر شخص تابع ونحن نبحث، يتصل يومياً لمدة 6 أشهر. وكنت أترك عائلتي ولا أراها، نسكن في الصحراء، وطعامنا وملابسنا هناك. إذا التقينا بالرئيس مرة أخرى، أولاً سنلتقط معه صورة تذكارية لنا ولعوائلنا، ثم سنقدم له دراسة عن كيفية الوصول بسهولة إلى المقابر. وأتمنى أن تتخلى مؤسسة الشهداء عن البيروقراطية، فلو كنت قد تقيدت بالقيود لما وصلت لشيء. يجب أن يكون الإنسان متطوعاً ليحقق نتيجة. وتحية لإخواننا في كوردستان وكل العراقيين.