رووداو ديجيتال
لا تزال آثار الدمار والخراب الذي خلفه زلزال تركيا ظاهرة حتى الآن، حيث علق عشرات آلاف الأشخاص تحت أنقاض المباني المدمرة، واجتهد عمال الإغاثة لإنقاذ من قد يكون حياً من تحت الأنقاض.
ويشهد العالم حوالى 20 ألف هزة أرضية سنوياً، أو ما يعادل نحو 55 هزة أرضية في اليوم الواحد. 70% من زلازل العالم يحدث في منطقة تعرف بالدائرة النارية، وفي المحيط الهادئ والدول الواقعة على شواطئه.
اليابان واحدة من الدول الواقعة ضمن تلك الدائرة النارية، وتشهد اليابان سنوياً ما يقارب 1500 هزة أرضية. ورغم ذلك قلما تشهد الدولة الآسيوية كوارث إنسانية كتلك التي نجمت عن زلزال شمال وغرب كوردستان وتركيا.
اليابان هي أكثر الدول تقدماً في مجال الوقاية من آثار الزلازل، لكن شرق اليابان شهد سنة 2011 زلزالاً بقوة تسع درجات، وقع في قعر البحر على مسافة 72كم من شواطئ اليابان. الزلزال أسفر عن تسونامي دفع أمواجاً ارتفاعها 40 متراً وسرعتها 700كم نحو المناطق الساحلية من اليابان.
وبات تسونامي وزلزال شرق اليابان واحداً من النماذج التي دفعت اليابانيين للتفكير باستمرار في تطوير إجراءات الوقاية من الزلازل وتسونامي.
لقد دفعت الجهود المتواصلة لمواجهة الزلازل أحد الناجين من زلزال عام 1995، والذي كان يشتغل عامل بناء وقتها، الى تأسيس شركة تبني بيوتاً تشعر بالزلازل عند حدوثها وتفصل نفسها عن الأرض تلقائياً، وتقف على طبقة من الهواء مدة ثلاث دقائق.
شركة "إير دانشين"، تقوم بانشاء مبان تبنى على لوحين من الكونكريت، وبين اللوحين فراغ يتم ملؤه بالهواء، اللوحان مصنوعان بصورة توازن بين ثقل البيت وبين مركز قوة الجذب المسلطة على البيت.
كينجي إينابا، مدير شركة إير دانشين، اوضح لرووداو عمل المنظومة التي تستند اليها شركته في بناء المنازل والمباني، وقال: "يبنى البيت عادة على أساس كونكريتي. لكن في منظومتنا، يوجد أساس كونكريتي على الأرض، وطبقة كونكريتية أخرى تحت البيت. وهناك مقياس يبين لك كم يرتفع وكم يبقى في الفراغ".
ويثبت نظام إير دانش، في المنازل داخل الغرف الصغيرة أيضاً، حيث يرسل "سايزموميتر - مقياس" البيانات إلى جهاز مراقبة، وجهاز المراقبة يحدد قوة الزلزال، وحالما سجل ثلاث درجات، يوعز إلى الأجزاء الأخرى من المنظومة فتنشط.
وأشار إينابا الى ان "هذا النظام صنعه شخص كان يعمل في شركة عقارات، ونجا من زلزال هانشن – كوبي سنة 1995. تولدت عنده هذه الفكرة ليساعد بها الآخرين عند حدوث الزلازل"، مبيناً انه "عندما يحدث زلزال بقوة خمس درجات، نتصل بزبائننا، ونسألهم عن الزلزال، فيجيبون علينا بأن الهزة كانت ضعيفة ولا نعتقد أن زلزالاً قوياً وقع".
لكن نظام إير دانشن يحمي فقط المقيمين في البيوت الصغيرة وتلك المؤلفة من طابقين أو ثلاثة والبيوت المبنية من الخشب، ولم يتطور النظام بما يكفي لنصبه في المباني العالية والكونكريتية في اليابان.
وتتم حماية المباني العالية بأسلوب مختلف، فبينما تنفصل المباني الصعيرة عن الأرض عند حدوث الزلازل فقط، يتم تشييد المباني العالية بحيث تكون منفصلة عن الأرض دائماً وتقوم على نوابض، لتتحرك الأرض من تحتها بينما هي ثابتة في مكانها.
في اليابان، تُعتمد ثلاثة معايير للحماية من الزلازل في المباني، تاي شين، وسيي شين، ومين شين.
معيار "مين شين" يقضي بفصل أساس المبنى عن الأرض، ومهما كان ارتفاع المبنى يجب أن يكون منفصلاً عن الأرض تحته.
وقال أتسوشي فوجيباياشي، وهو مهندس يصمم المباني وفق المعيار المذكور: "فيما يخص مباني مين شين، فإن المباني تتحرك أفقياً، لهذا فإن وجود فسحة أمر ضروري"، لافتاً الى ان "الفسحات قليلة بصورة عامة في اليابان وضيقة، ولتلبية هذا المعيار يجب أن تكون هناك فسحة لكي لا يصطدم المبنى بالمبنى المجاور له".
وفق نظام "مين شين"، يتم عزل المبنى عن الأرض باستخدام المطاط المقوى فيكون المبنى وكأنه قائم على طبقة من المطاط أو على نابض حلزوني، وهناك عدد من مصدات الضربات كتلك التي تستخدم لامتصاص اهتزازات السيارات، توضع تحت الأعمدة.
وتشهد اليابان باستمرار تقييمات للتكنولوجيا ولقوانين الحماية من الزلازل. في العام 1981 وبعد زلزال وقع سنة 1978، أقدمت السلطات اليابانية على تعديل قانون الحماية من الزلازل وشددت الإجراءات اليابانية للوقاية من الزلازل.
وفي العام 1995، هدم زلزال نحو 104906 مباني بالكامل، ولحقت أضرار مؤثرة بأكثر من 6000 مبنى. لكن لوحظ محدودية الأضرار التي لحقت بالمباني المشيدة وفقاً لإجراءات الحماية الجديدة.
إن تجربة انهيار المباني المشيدة قبل 1981، دفعت اليابانيين إلى التفكير بجد في العثور على حلول للمباني القديمة أيضاً.
ويعزز اليابانيون المباني القديمة، بقضبان حديدية متقاطعة على شكل حرف إكس، واثبت النموذج نجاعته في حماية مباني مشيدة قبل معايير 1981، من السقوط في أقوى زلزال ياباني.
"يريني د. إيكاغاو"، مصد صدمات آخر، مصد إلكترومغناطيسي. مثل تلك التي تستخدم الهايدروليك، يغير اتجاه الحركة الأفقية إلى حركة دائرية ويحول الطاقة الحركية إلى أخرى حرارية عند وقوع الزلزال، وبالنتيجة ينتج المصد الحرارة.
ومن عوامل مقاومة المباني اليابانية للزلازل، الأطر والأعمدة الفولاذية المستخدمة في المباني. وبخلاف الأجزاء الأخرى من العالم، إن الأطر المستخدمة في المباني باليابان تسمى الأطر "المقاومة للحركة" وتستخدم أعمدة فولاذية قوية في المباني العالية.
كوهجو إيكاغو، مدير مختبر إيكاغو، يقول إن "الأعمدة الفولاذية، أعمدة شائعة. الأعمدة مهمة جداً، بل هي أهم جزء من المبنى. لأنها تتحمل قوة الجاذبية. قوة الجاذبية تسحب المبنى باستمرار نحو الأسفل، وعندما يتهدم المبنى، قوة الجاذبية هي السبب في كل مرة. كما شاهدنا في تركيا وسوريا، المباني كانت مهدمة وأنقاضها متراكمة فوق بعضها مثل أرغفة الخبز المكومة، هذا النوع من الانهيار ناجم عن تضرر الأعمدة بسبب الهزة"، مؤكدا ان "الهزة بحد ذاتها، هزات الزلازل لا تهدم المباني بل الجاذبية هي التي تفعل ذلك".
كما يعتمد اليابانيون الفسحات الهوائية كوسيلة لمنع سقوط المباني اثناء الزلازل، حيث تسمح تلك الفسحات بحركة المبنى عندما يهتز المبنى.
وتعدّ اليابان منطقة نشطة جيولوجياً، وتقع على مجموعة صفائح تكتونية وتواجه في فترات متقاربة الزلازل وتسونامي وانطلاق البراكين. وبعد زلزال عام 2011، تم تسجيل نحو ألف هزة ارتدادية، 80 منها أعلى من ست درجات، وأكثر من 800 تجاوزت شدتها خمس درجات.
عند وقوع زلزال 2011، كانت مؤسسة الأنواء الجوية اليابانية تمتلك نحو 1000 مستشعر سايزوميتر، ومن خلال تلك المستشعرات تم خلال ثمان ثوان إنذار المواطنين بحدوث الزلزال. لكن في بعض المناطق سجلت أنظمة التنبيه قوة زلزال أقل من قوته الحقيقية وفي مناطق أخرى لم يتم تنبيه المواطنين.
وذكر دايسوكي ماتشيغاشيرا من قسم مراقبة تسونامي والزلازل في الأنواء الجوية اليابانية، أن "حجم زلزال 2011 كان كبيراً جداً، واستمرت الهزة عشرات الثواني، ولم تكن أنظمتنا قادرة على توقع المدة التي سيستمر فيها الزلزال بدقة. لهذا احتسبنا قوة الزلزال بأقل مما كانت عليه، وكانت المناطق التي توقعنا أن تتأثر، أقل من المناطق التي تأثرت فعلاً.
بعد 2011، قامت مؤسسة الأنواء الجوية بتطوير أنظمة الإنذار بصورتين، وزادت من عدد المستشعرات، ونصبت مستشعرات في عمق البحر، وأصبح بإمكان هذه الأنظمة أن تقيس قوة الزلازل بصورة أكثر دقة.
وخصصت الحكومة اليابانية 12 مليار دولار أميركي لبناء حيطان على شواطئ اليابان لحماية سكان المنطقة في حال حدوث تسونامي. في السابق، كانت لليابان حيطان لكنها كانت أقل ارتفاعاً. الحيطان التي بنتها اليابان هذه المرة، على مسافة 400كم، يبلغ ارتفاعها ما بين 12 و15 متراً، وقواعدها تحت الأرض عريضة يبلغ عرضها 25م، لكي لا تسقطها الزلازل.
وتم تشكيل النظام الياباني للتصدي لتسونامي، من مجموعة آليات حماية، توجد في البداية مصدات صخرية في البحر، ثم حيطان، وبعد الحيطان توجد أشجار ثم قنوات مائية، وبعدها أشجار، ثم برفع مستوى الشوارع والطرق، وبناء أماكن عالية يحتمي بها المواطنون، مع نصب أنظمة إنذار للمواطنين وإبعاد البيوت السكنية عن الشواطئ، وبناء البيوت في المناطق المرتفعة.
التقنية الأخيرة التي تعمل اليابان على تطويرها في هذا المجال، عبارة عن مسيرة مستقلة.
وفي هذا السياق، اوضح مدير قسم إدارة الأزمات، تومويتشيرو ساساكي، لرووداو ان "هناك نظام جَي أليرت -إنذار جَي- للإنذار، هذا النظام يحذر مسبقاً من تسونامي ومن الزلازل"، مشيرا الى ان "الإنذار من تسونامي يعلن قبل وصول تسونامي، ومع إطلاق صفارة الإنذار، تنبعث إشارات لنا وتبدأ المسيرة بالطيران فوراً".
تراقب مسيّرة من خلال كاميرات عادية وكاميرات حرارية قدوم أمواج تسونامي، يستطيع المسؤولون مشاهدة الموجات القادمة وتحذير أهالي المنطقة من خلال مكبرات الصوت، وليس فقط التحذير من تسونامي، بل أن بالإمكان إرشاد الناس إلى أقرب ملجأ أيضاً.
موجات تسونامي في اليابان سنة 2011، كانت قوية بحيث أن أمواجها بلغت شواطئ أمريكا الشمالية ودول أمريكا اللاتينية، وخمن البنك الدولي الخسائر بـ235 مليار دولار.
وتظهر بيانات الحكومة اليابانية أنه في تسونامي الأخير، تم في بعض المناطق الساحلية إنذار 58% من الأهالي بصورة مبكرة فغادر هؤلاء بيوتهم باتجاه الأماكن المرتفعة، ومن تلك النسبة ضربت أمواج تسونامي 5% منهم فقط، أما الذين لم يغادروا بيوتهم فقد أصابت أمواج تسونامي 49% منهم.
لهذا، يرى المسؤولون في اليابان أن الإجراءات المتبعة حالياً وتطوير نظام الإنذار المبكر وتوعية الأهالي، قد تتمكن مستقبلاً من منع وقوع كارثة شبيهة بكارثة 2011.
.jpg&w=3840&q=75)

