رووداو ديجيتال
أفادت 9 مصادر اطّلعت على اجتماعات مغلقة لوكالة رويترز إنّ السيطرة السريعة التي حقّقتها الحكومة السورية على أراضٍ كانت خاضعة منذ فترة طويلة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، تبلورت من خلال سلسلة اجتماعات "عالية الخطورة" في دمشق وباريس والعراق أوائل هذا الشهر.
وتُظهر الروايات، التي لم يسبق نشرها، وتمت مشاركتها مع الوكالة بشرط عدم كشف الهوية، أن الولايات المتحدة لم تقف في وجه العملية التي غيّرت بشكل جذري ميزان القوى في سوريا، على حساب حليف سابق لها.
وقالت المصادر إن الاجتماعات مهّدت الطريق أمام الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق مكسبين كبيرين: التقدّم في تعهّده بتوحيد كامل الأراضي السورية تحت قيادة واحدة، والتحوّل إلى الشريك السوري المفضّل لدى إدارة الرئيس دونالد ترمب.
وقد قضت حملته العسكرية فعلياً على منطقة الإدارة الذاتية التي كان القادة الكورد يأملون في الحفاظ عليها في شمال شرق سوريا، كما اختبرت حدود الدعم الذي تقدّمه واشنطن للشرع، الذي سبق أن قاد فرع القاعدة المحلي.
لكنّ الشرع الذي أصبح رئيساً خرج منتصراً، إذ قال المبعوث الأميركي توم بارك إن واشنطن بات بإمكانها الآن العمل مع الدولة السورية، ولا مصلحة لها في الإبقاء على دور منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.
سوريا اقترحت الهجوم قبل أسابيع
كانت الولايات المتحدة داعماً لقوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2015، عندما شُكّلت القوة لطرد تنظيم داعش من شمال شرق سوريا.
وبعد ذلك، استخدمت قوات سوريا الديمقراطية تلك الأراضي لإنشاء منطقة حكم ذاتي، بمؤسسات مدنية وعسكرية منفصلة.
لكن في أواخر عام 2024، أطاحت فصائل بقيادة الشرع بنظام بشار الأسد، وتعهدت بإخضاع جميع الأراضي السورية لسيطرة الحكومة الجديدة، بما في ذلك المناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية.
وبعد أشهر من المحادثات في عام 2025، انقضى الموعد النهائي لنهاية العام لدمج قوات سوريا الديمقراطية مع دمشق دون إحراز تقدم يُذكر. وهنا بدأ الزخم يتزايد لشنّ هجوم.
في (4 كانون الثاني 2026)، أنهي اجتماع في دمشق بين مسؤولين سوريين وقوات سوريا الديمقراطية بشأن الاندماج بشكل مفاجئ على يد وزير سوري، وفقاً لثلاثة مسؤولين كورد.
في اليوم التالي، سافرت وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات بوساطة أميركية مع إسرائيل حول اتفاق أمني. ويتّهم المسؤولون السوريون إسرائيل بدعم قوات سوريا الديمقراطية، وفي باريس، حثّوا المسؤولين الإسرائيليين على التوقف عن تشجيع الكورد على تأخير عمليات الاندماج، بحسب مصدرين سوريين اطّلعا على الاجتماع.
ووفق مصدر سوري آخر مطّلع على الموضوع، اقترح المسؤولون السوريون هناك عملية محدودة لاستعادة بعض الأراضي الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية ولم يتلقّوا أي اعتراضات.
"لم تؤيّد إسرائيل قطّ هجوماً على الكورد السوريين"
وزارة الإعلام ووزارة الخارجية في سوريا لم تردّا على أسئلة رويترز حول اجتماع باريس. أمّا وزارة الخارجية الأميركية فأحالت رويترز إلى بيان أصدره باراك يوم الثلاثاء دعا فيه قوات سوريا الديمقراطية إلى الاندماج، وأكّد أنّ الولايات المتحدة لا مصلحة لها في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا.
وقال يحيئيل لايتر، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة: "لقد كنتُ حاضراً طوال الاجتماع الثلاثي في باريس، ولم تؤيّد إسرائيل قطّ هجوماً من الجيش السوري على الكورد السوريين. وأي ادّعاء بأننا فعلنا ذلك هو ادّعاء باطل".
كما تلقّت الحكومة السورية رسالة منفصلة من تركيا مفادها أن واشنطن ستوافق على عملية ضد قوات سوريا الديمقراطية ما دام المدنيون الكورد محميين، بحسب مسؤول سوري.
وتدخّلت تركيا مراراً في سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية، متّهمة إياها بالارتباط بحزب العمال الكوردستاني.
وقالت هدية يوسف، المسؤولة السياسية الكوردية: "إن الاتفاق في باريس أعطى الضوء الأخضر لهذه الحرب".
"هل أنتم مستعدون لهذه الدرجة لخيانة حلفائكم؟"
بعد أسبوعين، كانت الحملة العسكرية قد بدأت بالفعل، وبدأت واشنطن تُشير لقوات سوريا الديمقراطية بأنها تتراجع عن دعمها الطويل لها، وفق دبلوماسي أميركي، وأحد المصادر السورية، ومفاوض سوري آخر مطّلع على القضية.
في 17 كانون الثاني، التقى باراك بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في إقليم كوردستان وأبلغه بأن مصلحة الولايات المتحدة تكمن مع الشرع، وليس مع قوات سوريا الديمقراطية، بحسب المصادر الثلاثة. وقد نفى مسؤول في قوات سوريا الديمقراطية هذه الرواية.
وقال مسؤول عسكري أميركي ومسؤولان كورديان إن الولايات المتحدة كانت قد منحت قوات سوريا الديمقراطية ضمانات بالحماية إذا تسببت حملة الشرع في الإضرار بالمدنيين الكورد أو بزعزعة مراكز الاحتجاز التي تضمّ معتقلي تنظيم داعش.
ومع تقدّم القوات السورية إلى ما بعد المنطقة التي اقترحتها في البداية، حثّهم الجيش الأميركي على وقف التقدّم، وأطلقت طائرات التحالف مشاعل تحذيرية فوق بعض المناطق المتوترة. لكن تلك الإجراءات كانت بعيدة جداً عن توقعات الكورد.
وقالت هدية يوسف: "ما يفعله مسؤولو التحالف والأميركيون غير مقبول. هل تفتقرون فعلاً للمبادئ؟ هل أنتم مستعدون لهذه الدرجة لخيانة حلفائكم؟"
عند سؤالها عن الضمانات الأميركية، أحالت وزارة الخارجية الأميركية رويترز إلى بيان باراك بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية.
الشرع كاد يبالغ في استخدام قوته
الوكالة نقلت عن مصدر أميركي مطّلع على موقف واشنطن ومصدران أميركيّان آخران مطّلعان على سياستها إن الشرع كاد يبالغ في استخدام قوته خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم.
فقد استعادت قواته بسرعة محافظات ذات غالبية عربية من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وواصلت التقدّم. وبحلول 19 كانون الثاني، كانت تلك القوات تُطوّق آخر المدن الخاضعة لسيطرة الكورد في شمال شرق سوريا، رغم إعلان وقف إطلاق النار في اليوم السابق.
لكن إدارة الولايات المتحدة كانت غاضبة لأن القوات السورية تجاهلت الهدنة، وكانت تخشى وقوع أعمال عنف واسعة ضد المدنيين الكورد، بحسب المصادر الأميركية الثلاثة. وقال مصدران من هذه المصادر إن مشرّعين أميركيين كانوا يفكّرون في إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر القتال.
وقال مسؤول في البيت الأبيض لرويترز إن الولايات المتحدة تراقب التطورات في سوريا "بقلق بالغ" ودعت جميع الأطراف إلى "إعطاء الأولوية لحماية المدنيين من جميع المكوّنات".
ومع اقتراب قواته من آخر معاقل الكورد، أعلن الشرع فجأة وقفاً جديداً لإطلاق النار يوم الثلاثاء. وقال إن قواته لن تتقدّم إذا قدّمت قوات سوريا الديمقراطية خطة اندماج قبل نهاية الأسبوع.
وقالت المصادر الأميركية الثلاثة إن إعلان الشرع المفاجئ أرضى واشنطن وأصبح الآن "في منأى عن الخطر".
وبعد دقائق، أصدر باراك بيانه، الذي قال فيه إن الهدف الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة قتالية ضد تنظيم داعش قد "انتهى إلى حدّ كبير"، وأن أفضل فرصة للكورد تكمن تحت حكومة الشرع الجديدة.


