ليست كل اللحظات في تاريخ الشعوب عابرة، فبعضها يتحول إلى منعطفات كبرى تعيد تشكيل الوعي الجمعي وترسم ملامح المستقبل. وما شهده شعبنا في روجافا كوردستان بعد الهجوم العسكري الذي تعرّض له لم يكن مجرد موجة تضامن، بل كان لحظة تاريخية نادرة أعلن فيها الكورد، في كل مكان، أن وحدة المصير أقوى من الجغرافية، وأن الشعوب الحية تعرف كيف تتوحد عندما يُهدَّد وجودها.
لقد كان هذا الحراك استثنائياً لأنه لم يكن حراك فئة أو نخبة، بل حراك شعب بأكمله. ساهم فيه الجميع دون استثناء: الشباب، والنساء، والمثقفون، والحقوقيون، والفنانون، ورجال الدين، والتجار، والنشطاء، ومنظمات المجتمع المدني. وعندما تتحرك كل هذه القوى في اتجاه واحد، تتحول القضية من مطلب سياسي إلى قضية وجود وهوية.
خرجت المظاهرات في المدن الكوردية عبر مختلف أجزاء كوردستان، من إقليم كوردستان العراق إلى مدن كوردستان تركيا، في مشهد أكد أن الحدود السياسية لم تعد قادرة على تفكيك الشعور القومي. لكن اللافت أكثر كان ذلك الامتداد العالمي غير المسبوق؛ فقد شهدت أوروبا، والولايات المتحدة، وكندا، ودول عديدة حول العالم مظاهرات متواصلة، حتى بدت الساحات الدولية وكأنها فضاء مفتوح لصوتٍ كوردي واحد.
لم تكن تلك التظاهرات رمزية أو مترددة، بل جاءت بشعارات واضحة لا لبس فيها: دعم مقاومة شعبنا، ووحدة الموقف الكردي، وتحمل المسؤولية التاريخية. وحين تتكرر هذه الشعارات في عشرات العواصم، فهذا يعني أن القضية لم تعد محلية، بل أصبحت جزءاً من الضمير العالمي.
فقد تحوّل الحراك إلى فعل يومي متواصل. لم تكن مظاهرات عابرة تُنظَّم ثم تُطوى صفحتها، بل كانت حضوراً دائماً في الساحات، أشبه بنبضٍ لا ينقطع. مئات الآلاف من أبناء الجاليات الكوردستانية خرجوا حاملين قضيتهم إلى الرأي العام العالمي، مثبتين أن الاغتراب لم يُضعف الانتماء، بل زاده رسوخاً، ورغم ضخامة الحشود، عكست تلك المظاهرات مستوى رفيعاً من الوعي، إذ التزمت التزاماً صارماً بقوانين الدول واحترام قيمها، وقدّمت نموذجاً حضارياً وأخلاقياً في التعبير السلمي.
وسط هذا المشهد، برزت صورة تختصر الحكاية كلها: طفل كوردي يرتدي العلم الكوردستاني. لم يكن مشهداً عاطفياً فحسب، بل كان إعلاناً عن نقطة تحول في الوعي الجمعي. فعندما يصبح العلم لباس الطفولة، فهذا دليل على أن الهوية لم تعد مجرد خطاب سياسي، بل تحولت إلى شعور متجذر ينتقل طبيعياً من جيل إلى آخر. تلك الصورة وحدها كانت كافية لتقول إن القضية الكوردية لم تعد رهينة الحاضر، بل أصبحت ملك المستقبل.
وفي قلب هذا التحول، وقف الشباب الكوردي في الصفوف الأولى. لم ينتظروا التوجيه، بل بادروا ونظموا وقادوا، كاشفين عن درجة عالية من التجذّر القومي والوعي السياسي. لقد أثبت هذا الجيل أن الانتماء لم يعد إرثاً عاطفياً، بل مشروع عمل ومسؤولية.
أما الإعلام الكوردي، فقد عاش واحدة من أكثر لحظاته إشراقاً. لم تكن قناة واحدة في الميدان، بل ساهمت مختلف القنوات والمؤسسات الإعلامية في نقل الحقيقة إلى العالم والدفاع عن عدالة القضية. غير أن تجربة رووداو برزت كنموذج لافت، إذ بدا إعلاميوها وكأنهم "بيشمركة الكلمة"، يخوضون معركة الوعي بشجاعة ومهنية. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن هذا الجهد كان جماعياً، وأن المعركة الإعلامية خاضها الإعلام الكوردي بكل أطيافه.
كما لعب إعلاميون ونشطاء سياسيون دوراً ريادياً في الحضور على المنابر الدولية، رافعين الصوت الكوردي بلغة مسؤولة وواثقة، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة التعاطف العالمي.
ولا يمكن تجاهل الدعم الإنساني والمادي الذي قُدّم لشعبنا، ولاسيما عبر منظمة بارزاني الخيرية، في تعبير واضح عن عمق التضامن والشعور بالمسؤولية المشتركة.
وفي موازاة الحراك المدني، تطوع العديد من الشباب للدفاع المباشر عن الأرض والشعب، في رسالة حاسمة مفادها أن الكورد، عندما يُهدَّد وجودهم، لا يترددون في حماية كرامتهم وتاريخهم.
لقد نجح هذا الحراك في تدويل القضية الكوردية ووضعها مجدداً ضمن الحسابات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الاتفاق الأخير بين سلطة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وهو اتفاق لا يمكن فصله عن حجم الضغط المعنوي والسياسي الذي صنعه الشارع. ومع ذلك، فإن لحظات الصعود الكبرى تتطلب شجاعة في النقد أيضاً.
فبينما كان الشارع الكوردي في جميع أجزاء كوردستان يطالب بوحدة الموقف وتحمل المسؤولية التاريخية - في وقت كان فيه الوجود الكوردي في سوريا مهدداً - بدا غياب القوى السياسية واضحاً ومقلقاً. لم ترتقِ بعض الأحزاب إلى مستوى الحدث، بل إن بعض أبواقها لعبت دوراً سلبياً، أو على الأقل فشلت في استثمار هذا الزخم الشعبي لخدمة القضية. لقد كانت فرصة تاريخية لتحويل التعاطف العالمي إلى إنجازات سياسية، لكن الخلافات والحسابات الضيقة أهدرت جزءاً من هذه الإمكانية.
مرة أخرى، أثبت الشارع أنه أكثر تقدماً من السياسة؛ توحّد عندما تفرّق السياسيون، ورفع سقف المسؤولية عندما تردد البعض. وفي خضم هذه المرحلة، برز الموقف الواضح للرئيس مسعود بارزاني بدعمه المتواصل لقضية شعبنا، في خطوة عكست فهماً عميقاً لخطورة اللحظة وضرورة تعزيز التضامن الكوردي.
اليوم، لم يعد الكورد لاعباً هامشياً في المشهد السوري، بل قوة رئيسية تحظى باهتمام ودعوات دولية. إن أي مسار سياسي يوقف الحرب والقتل والتهجير، ويحدّ من خطاب الكراهية والتحريض العنصري، يمكن أن يؤسس لمرحلة أكثر استقراراً وعدلاً.
لكن الدرس الأعمق الذي كشفه هذا الحراك هو أن قوة الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من سياسة، بل بما تختزنه من وعي. فعندما يرتدي طفلٌ العلم، وعندما تتحول المظاهرات إلى نبضٍ يومي في عواصم العالم، وعندما يتحرك المثقف والإعلامي والفنان ورجل الدين والتاجر جنباً إلى جنب، ندرك أننا أمام شعب لا ينكسر.
لقد أثبت الكورد أنهم ليسوا مجرد شعب يطالب بحقوقه، بل أمة تعيد اكتشاف قوتها في لحظة تاريخية فارقة. وفي روجافا كوردستان، لم يكن الدفاع مجرد مهمة عسكرية تتولاها قوى محددة، بل بدا وكأن شعباً بأكمله قد قرر أن يتحول إلى خط الدفاع الأول عن وجوده. حمل السلاح من استطاع إليه سبيلاً، وتطوع الآلاف في خطوة مسؤولة عكست إدراكاً عميقاً لخطورة المرحلة. لم يكن ذلك اندفاعاً عاطفياً بقدر ما كان تعبيراً عن وعي تاريخي يقول إن الأوطان لا يحميها إلا أبناؤها.
لقد توحد شعبنا تحت راية العلم الكوردستاني، لا كشعار يُرفع في الساحات، بل كرمزٍ للكرامة والحق في الحياة. ومن رحم هذا التوحد وُلدت إرادة صلبة لا يمكن كسرها، إرادة شعب خاض معركته بصبر عميق، مدركاً أن النصر الحقيقي لا يُقاس فقط بنتائج الميدان، بل بالقدرة على الصمود عندما تكون التحديات وجودية.
إن الشعوب قد تُرهَق، لكنها لا تُهزم ما دامت تؤمن بقضيتها. وما أظهره الكورد لم يكن مجرد مقاومة، بل كان إعلاناً واضحاً أن أمةً تعرف كيف تتوحد في زمن الخطر هي أمة يصعب اقتلاعها من التاريخ.
لقد أثبت هذا الحراك أن وحدة الشعوب ليست شعاراً يُرفع في الساحات، بل قوة تاريخية قادرة على صناعة التحولات. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ترتقي السياسة إلى مستوى تضحيات الشارع، أم سيظل الشعب يسبق قياداته بخطوات؟.



