في الذكرى السنوية لرحيل القائد الوطني للأمة الكوردية إدريس ملا مصطفى بارزاني، تُستعاد تجربة قيادية تشكّلت في سياق تاريخي بالغ التعقيد، ارتبط بالتحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الوطنية الكوردية في النصف الثاني من القرن العشرين.
فقد وُلد إدريس بارزاني عام 1944 في قرية بارزان، وهي منطقة اكتسبت مكانة رمزية في التاريخ الكوردي الحديث بوصفها مركزاً دينياً واجتماعياً وسياسياً أسهم في ترسيخ قيم التضحية والانضباط والالتزام بالقضية القومية، وشكّلت البيئة الأولى لصياغة وعيه الوطني المبكر.
ومع اندلاع ثورة أيلول عام 1961، انخرط في العمل السياسي والعسكري ضمن إطار الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مستفيداً من الإرث التنظيمي الذي تأسس منذ قيام الحزب عام 1946 وترسّخ عبر مؤتمراته المتعاقبة، ولاسيما المؤتمر الثالث عام 1953 الذي أرسى مبدأ القيادة الجماعية، ثم المؤتمر الثامن عقب اتفاق 11 آذار 1970 الذي أعاد تنظيم العلاقة بين النضال السياسي والكفاح المسلح.
غير أن المرحلة المفصلية في مسيرته تبلورت عقب انتكاسة عام 1975 التي أدّت إلى انهيار البنية العسكرية والتنظيمية للحركة الوطنية الكوردية وأدخلتها في أزمة سياسية واجتماعية عميقة، حيث برز إدريس بارزاني بوصفه أحد العناصر القيادية التي اضطلعت بدور أساسي في إعادة ترتيب الصفوف والحفاظ على تماسك الحزب الديمقراطي الكوردستاني، عبر بلورة رؤية سياسية هدفت إلى منع التفكك التنظيمي وضمان استمرارية العمل الحزبي على أسس مؤسسية.
وتعزّز هذا الدور بصورة أوضح بعد وفاة الملا مصطفى بارزاني في 1 آذار 1979، حين سعى إدريس بارزاني إلى منع حدوث فراغ سياسي داخل الحزب وترسيخ مبدأ القيادة الجماعية والعمل المؤسسي بوصفهما شرطين لعبور المرحلة الانتقالية، وهو ما تُوّج بعقد المؤتمر التاسع في 4 تشرين الأول 1979 الذي شكّل محطة مفصلية في إعادة تنظيم الحزب وقوات البيشمركة على أسس أكثر انضباطاً.
اختُتمت مسيرته الوطنية بوفاته في 31 كانون الثاني 1987 في مدينة أورمية بجمهورية إيران، حيث كان يقيم لأسباب صحية وسياسية في أعقاب التطورات التي أعقبت انتكاسة عام 1975. وقد شكّل رحيله في المنفى محطة مؤثرة في الوعي الجمعي الكوردي، قبل أن يُنقل جثمانه لاحقاً إلى مسقط رأسه بارزان ليوارى الثرى في الأرض التي شكّلت مهد هويته ومسار نضاله. ويُعدّ هذا الحدث خاتمة مرحلة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الكوردية، لما مثّله إدريس بارزاني من دور قيادي في حماية البنية التنظيمية للحزب وترسيخ مبدأ المصالحة الاجتماعية بوصفها إطاراً استراتيجياً لبناء الوحدة الوطنية.
وفي هذا الإطار، لم يكن إدريس بارزاني من دعاة التصعيد غير المحسوب، بل تبنّى نهجاً واقعياً يقوم على مراجعة التجربة السابقة والانفتاح على قدر من المرونة السياسية بما يخدم مستقبل الحركة الكوردية، مع التأكيد على البعد الاجتماعي للعمل السياسي، إذ آمن بأن الحزب الديمقراطي الكوردستاني ينبغي أن يبقى معبّراً عن تطلعات المجتمع لا مجرد إطار تنظيمي مغلق. كما أولى أهمية خاصة للدور الديني والاجتماعي، معتبراً العلماء والمؤسسات الدينية عنصراً مكمّلاً للعمل الوطني ووسيلة لتعزيز السلم المجتمعي ووحدة الصف الكوردي.
وبحسب ما يورده مروان صالح آل معروف في كتابه إدريس بارزاني مهندس المصالحة الوطنية، فإن إدريس بارزاني كان يرى أن "المصالحة الاجتماعية تمثّل الركيزة الجوهرية لأي نضال وطني ناجح، وأن الانقسام الداخلي يفوق في خطورته التهديدات الخارجية".
كما امتد مشروعه التصالحي إلى البعد العسكري من خلال سعيه إلى تقنين استخدام القوة وضبط سلوك قوات البيشمركة ضمن إطار وطني وأخلاقي يرفض عسكرة الخلافات السياسية الداخلية ويؤكد توجيه السلاح حصراً نحو حماية المجتمع والدفاع عن القضية القومية، وهو ما أفضى إلى بلورة تصور جديد للعلاقة بين العمل العسكري والشرعية الوطنية قائم على الانضباط والمسؤولية التاريخية، إذ يصفه المؤلف بأنه "القائد الوفي والبيشمركة المتواضع، الذي رفض أن تتحول البنادق إلى أدوات صراع داخلي، وجعلها رمزاً للوحدة الوطنية".
ولا تقتصر أهمية تجربة إدريس بارزاني على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى راهنيتها السياسية، إذ يمكن تتبّع ملامح هذا النهج القائم على المؤسسية والواقعية السياسية وبناء التوافق في السياسات التي ينتهجها رئيس إقليم كوردستان العراق نيجيرفان بارزاني، بما يعكس استمرارية مدرسة سياسية تأسست على فكر إدريس بارزاني في الجمع بين المصالحة الاجتماعية والانضباط السياسي والعسكري وتحويل هذا الإرث من ممارسة فردية إلى مشروع مؤسسي يهدف إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي. وبذلك فإن إحياء الذكرى السنوية لهذه الشخصية لا يقتصر على استدعاء بعدها التاريخي، بل يمثل فعلاً معرفياً وتربوياً يهدف إلى ترسيخ الوعي التاريخي وربط الأجيال الجديدة بتجربة الحركة الوطنية الكوردية بوصفها نموذجاً في إدارة الأزمات الداخلية وبناء الوحدة الوطنية على أسس مؤسسية مستدامة.



