العراقيون عامة لا يجيدون ثقافة التطوع والمبادرات، بل على العكس من ذلك، يقفون ضدها ويعارضونها. في بغداد، استمعت لشكوى طالب جامعي من أن كليته لا توفر جميع الكتب التي يحتاجها الطلبة في مكتبتها، فاقترحت عليه أن يتبرع الطلبة بمبالغ بسيطة لشراء الكتب المطلوبة، أو أن يتطوعوا لجمعها مجاناً من بعض المكتبات الحكومية أو الأهلية.
ثار في وجهي غاضباً وكأنني اقترفت ذنباً، قائلاً: "الحكومة تسرق الأموال وتريدنا أن نتطوع ونجمع المال لشراء الكتب؟ هذه ليست مهمتنا!". في مقهى شعبي ببغداد أيضاً، سمعت شباناً يشكون من تردي وضع حيهم وجدران بيوتهم، بينما تتعالى أصواتهم مع ضربات الدومينو على الطاولة. تدخلت لأسألهم: "لماذا لا تبادرون بجمع بعض المال وشراء أدوات الطلاء والتنظيف، وتتطوعون ليوم واحد لتنظيف الحي وطلائه بدلاً من لعب الدومينو؟". صاح أحدهم في وجهي وكأنني أهنته: "هل أنت مغفل؟ البلدية تسرق الأموال وتريدنا أن نتطوع لإنجاز عملها؟!".
الكورد في إقليم كوردستان، يكسرون هذه القواعد ويغيرون المفاهيم السائدة في العراق عن ثقافة التطوع. هنا يختلف الوضع تماماً، خاصة في أربيل. منذ أربعة أيام، تزدحم ساحة مسجد جليل الخياط وسط المدينة بمئات المواطنين حتى ساعات متأخرة من الليل، في درجات حرارة تصل إلى درجتين تحت الصفر. وقفوا في طابور طويل حول شعلة نار، من أطفال ونساء ورجال من مختلف الأعمار، تلبية لدعوة حملة "رنج رووداو"، التي قادها مقدم البرامج رنج سنكاوي.
وقف سنكاوي لساعات طويلة مرحباً بالمتبرعين وموضحاً أهداف الحملة، وهي التبرع لكورد روج آفا، حيث نزحت آلاف العوائل، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن، بسبب هجوم الفصائل المسلحة والجيش السوري.
على مدى أربعة أيام، استقبل رنج سنكاوي وفريقه المتبرعين من جميع مدن وقرى كوردستان. تبرع كل منهم حسب إمكانياته، من مئة دولار إلى مئات الآلاف، ورفض غالبيتهم ذكر أسمائهم، ووقعوا تبرعاتهم باسم "فاعل خير". أودعت التبرعات مباشرة في حساب مصرفي موثوق. بالإضافة إلى ذلك، امتلأت ثلاثة مخازن واسعة بالمواد الغذائية والبطانيات والمدفئات ومياه الشرب وملابس الأطفال والنساء والرجال، والتي هي في طريقها الآن إلى المستفيدين.
تحولت ساحة مسجد جليل الخياط على مدى 4 أيام إلى مهرجان شعبي إنساني تطوعي، تسابق فيه الجميع لإنجاحه دون استعراضات أو دعاية شخصية. كان دافعهم إنسانياً بحتاً لدعم أشقائهم الكورد في روج آفا، معبرين بصدق، وبعيداً عن السياسة، عن أن وحدة الكورد تأتي أولاً، وأن التعبير عنها يكون بالمشاعر والفعل، لا بالشعارات والبيانات. وقد نقلت شبكة رووداو الإعلامية وقائع هذه الأحداث مباشرة بلغات مختلفة.
يجدر بالذكر أن الإعلامي رنج سنكاوي كان قد بادر في كانون الأول الماضي إلى حملة تبرعات لمتضرري السيول في مدينة جمجمال، وجمع أكثر من 15 مليار دينار عراقي للمتضررين.
ليس القصد من هذا المقال المقارنة، بقدر ما هو طرح للأسئلة: هل سنتعلم من مبادرات رنج سنكاوي ثقافة التطوع؟ وهل سنتعلم من الكورد في إقليم كوردستان معنى المبادرات الإنسانية دون الاعتماد على حزب أو مذهب أو عشيرة؟ شكراً رنج.. وشكراً للكورد وهم يعلموننا معنى التضامن.



