دفع الكورد ثمناً باهظاً في الحرب ضد تنظيم داعش، وكان لهم دور حاسم في دحر التنظيم وتحرير مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا. وقد تُوِّج هذا المسار بالقضاء على ما سُمّي بـ"خلافة الدولة الإسلامية" في 23 آذار 2019، إثر هزيمة آخر جيوب التنظيم في باغوز، على يد القوات الكوردية وقوات سوريا الديمقراطية، وبدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. كما شكّل مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في 27 تشرين الأول 2019 ضربة استراتيجية أنهت فعلياً المشروع العسكري للتنظيم.
وبنتيجة هذا الدور، أصبحت قوات سوريا الديمقراطية الشريك المحلي الأساسي للتحالف الدولي في مكافحة الإرهاب، وتولت إدارة ملفات شديدة الحساسية، أبرزها مراكز احتجاز عناصر تنظيم داعش ومخيمات عائلاتهم، في إطار جهد دولي لحماية الأمن الإقليمي والدولي. وقدّمت هذه القوات أكثر من 12 ألف مقاتل في سياق هذه الحرب، في واحدة من أعلى نسب الخسائر بين شركاء التحالف.
غير أنّ السياسة الأميركية شهدت تحولاً لافتاً عقب سقوط النظام السوري السابق، وتسلم هيئة تحرير الشام السلطة في دمشق في ٨ كانون الأول 2024. فعلى الرغم من الخلفيات الأيديولوجية المتطرفة للهيئة، اتجهت الولايات المتحدة إلى القبول بالأمر الواقع، ومنحت السلطة الجديدة غطاءً سياسياً بعد إعلان انضمامها إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، ما ترافق مع تقليص الدعم لقوات سوريا الديمقراطية، والتغاضي عن استهداف مناطقها، وتسليم ملفات أمنية حساسة إلى مؤسسات تابعة للسلطة الجديدة تفتقر إلى المصداقية والسجل الحقوقي.
ورغم توقيع اتفاق في 10 آذار بين قائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي والسلطة في دمشق، ينص على دمج هذه القوات ضمن الجيش السوري، فإن السلطة الجديدة سرعان ما لجأت إلى الخيار العسكري، ولاسيما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حيث وثّقت تقارير ومقاطع مصورة ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق مقاتلين ومدنيين، في خرق واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
لاحقاً، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من دير الزور والرقة، في ظل تفكك الحاضنة المحلية، بينما أصرت السلطة المؤقتة على تسلم ملف السجون، بما فيها سجن القطان والشدادي، ومخيمات عائلات تنظيم داعش، وعلى رأسها مخيم الهول في الحسكة. وقد أدى هذا التحول، إلى جانب تدهور الوضع الأمني، إلى خلق فراغ استغلته خلايا تنظيم داعش لإعادة تنظيم صفوفها وتنفيذ هجمات أسفرت عن سقوط مدنيين، معظمهم من الكورد، وزعزعة الاستقرار في مناطق كانت آمنة نسبياً.
وتفاقمت المخاوف مع تقارير عن الإفراج عن عناصر من تنظيم داعش، وإطلاق سراح نساء وأطفال من عائلاته، في ظل الحكومة السورية الجديدة، الأمر الذي أعاد إنتاج التهديد الإرهابي في المناطق الكوردية، التي كانت حتى وقت قريب خط الدفاع الأول ضد التنظيم. ويبرز هذا التطور بوصفه نتيجة مباشرة للتخلي عن الشريك الكوردي، وتفكيك منظومة الاحتجاز التي شكّلت أحد أهم إنجازات الحرب على داعش.
وتُعد مدينة كوباني نموذجاً مكثفاً لهذا التحول، فالمدينة التي أصبحت رمزاً عالمياً لمقاومة تنظيم داعش عام 2014، تعاني اليوم من حصار خانق، وانقطاع المياه والكهرباء، ونقص حاد في الغذاء، مع وجود فرن واحد فقط يعمل في المدينة. وقد أودت الظروف الإنسانية القاسية بحياة أكثر من خمسة أطفال نتيجة البرد والجوع، في ظل تهديدات مستمرة من خلايا داعش ومجموعات مسلحة منضوية ضمن ما يُعرف بالجيش السوري الجديد، تسعى إلى الانتقام لخسائرها السابقة.
إن تزايد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، في سياق تسليم ملفات أمنية حساسة لجهات ذات سجل متطرف، وبدعم دولي ضمني، ينذر بعودة التنظيم واندلاع موجة جديدة من الصراعات الطائفية. ويبدو أن الشعب الكوردي، مرة أخرى، يدفع ثمن توازنات دولية قصيرة النظر، بعد أن كان في طليعة من حمى العالم من أخطر تنظيم إرهابي في العصر الحديث.



