الشعوب التي تريد أن تتقدم عليها أن تتعلم من التجارب الناجحة، تجارب الشعوب الأخرى، لا أن تجلس وتندب حظها وتخلّفها وتدعي بأنها سليلة حضارات امتدت لأكثر من سبعة آلاف سنة ولا تربطنا بها أية صلة قرابة سوى الأرض التي جمعتنا، وأن الاستعمار دمّرنا وسرقنا. وأنه لولا "مؤامرة" سقيفة قيس بن ساعدة في الجزيرة العربية قبل أكثر من 1450 سنة لكان رواد الفضاء العراقيون اليوم يصولون ويجولون في كوكب المريخ.
نحن ننتمي إلى عالم شعوبه لا تتعلم، بل ترفض وبقوة وإصرار أن تتعلم من دروس الآخرين الناجحة، ونبقى نؤمن بحكايات وخرافات بالية باعتبارها منهجاً حياتياً للتشبث بالماضي المتأخر. فنجد وفي عام 2026 حكامنا يرددون أقوالهم التي قادتنا إلى الخراب والفشل، وحولهم جوقة من المنافقين الذين يجيدون كلمات مثل (أحسنت) ويهزون برؤوسهم موافقين، وعلينا أن نسلّم مقدراتنا لسياسيين اعترفوا بفشلهم لمرات عدة وبرهنوا هذا الفشل في إدارة البلد ليعودوا بقوة متصدرين واجهة الأحداث والمناصب الأولى في الحكومة بينما نحن نرفع أكفنا بالدعاء له.
نحن شعب نجلس وواحدنا يضع يده (على الخد) في (انتظار البرابرة)، وسنكون سعداء بما يقوله مايك سافايا نقلاً عن سيده دونالد ترمب وما سيفعله رامبو الأميركي في محاربة الفساد ونزع سلاح الفصائل وتعيين حكومة تعمل لصالح البلد والشعب، ومباركة هذا السيد أو ذاك الآغا والباشا لاختيار رئيس وزرائنا وأعضاء حكومتنا.
لا أريد هنا أن أقارن العراق ولا حكامه ولا شعبه ببلد حضاري متطور مثل كندا، لا على الإطلاق كلا، لكنني أود أن أشير، مجرد إشارة إلى دروس قدمها رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في خطابه بمؤتمر دافوس في سويسرا الأسبوع الماضي رداً على ادعاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب "الاستفزازي" أن "كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة"، بنفي هذا الادعاء، وقال له بقوة ووضوح وبالأدلة إن بلاده تزدهر "لأننا كنديون".
أتمنى هنا على مفكرينا وسياسيينا وحكامنا ومثقفينا أن يضحّوا بالقليل من وقتهم لقراءة خطاب كارني بتأمل وبعمق ليتعلموا كيف يمكن أن تكون الشعوب متطورة ومتقدمة وحرة وغير خاضعة للقوى الأخرى التي تسمي نفسها بالقوى العظمى، بدلاً من الانشغال بما يقرره الإطار التنسيقي الشيعي ويفرض علينا رئيس وزراء، ولا بقرارات المجلس السياسي الوطني السني بتعيينه رئيساً لمجلس النواب، ولا بخلافات الأحزاب الكوردية حول اسم رئيس الجمهورية، وبعيداً عن تباكي الأقليات على حقوقهم المهضومة.
لا أريد هنا أن أنسخ خطاب رئيس الوزراء الكندي في مؤتمر دافوس الثلاثاء الماضي ذلك أن الخطاب متوفر لمن أراد أن يستفيد منه على منصات التواصل الاجتماعي والشبكات الإخبارية، بقدر ما أردت أن أحيلكم إلى أهمية هذا الخطاب الذي قدم درساً في معنى الوطنية، فهو يلخص وببساطة، ما معناه، أنك: إذا أردت أن تبني بلداً حضارياً متطوراً ليس عليك أن تتباهى بالسومريين والبابليين والآشوريين ولا بالعباسيين، بل أن تنتمي للعراق وأن تكون عراقياً، قال كارني "كندا قوية لأننا كنديون" ببساطة وبقوة، وأننا رفضنا "العيش داخل الكذبة"، وهم محظوظون لأن واقعهم يخلو من الشيعة والسنة والعرب والكورد، بل إن قوتهم تكمن، وحسب كارني "لدينا أكثر سكان العالم تعليماً، كندا مجتمع تعددي ناجح".
وفي حديثه عن علاقات كندا وتحالفاتها الخارجية أكد بأن "علاقاتنا تقوم على أساس القيم والمصالح.. وبناء تحالفات عالمية مع شركاء يشتركون معنا في إنشاء شبكة من الروابط عبر التجارة والاستثمار والثقافة." وأن "التفاوض من موقع أدنى وقبول الشروط هذا ليس سيادة بل تظاهر بالسيادة مع القبول بالخضوع." مشدداً على أن "كندا تملك كل ما يريده العالم ونحن قوة عظمى في مجال الطاقة."
نحن لسنا بحاجة لقراءة كتيب "كيف تكون مواطناً في عشرة أيام بدون معلم" الذي لا وجود له في الواقع، وأن نتعلم عدم الخضوع للغير بل أن نفاوض الغير مهما كانت قوته خاصة وأننا نملك مقومات التفاوض، لكننا بحاجة إلى سياسيين وطنيين يفتخرون بعراقيتهم وليس بمذهبهم أو عشيرتهم أو قوميتهم. نحن بحاجة لنغادر سقيفة قيس بن ساعدة بكل خلافاتها وننتمي إلى حاضرنا ومستقبلنا، وأن لا نقدس أو نمجد سياسيين ساهموا بخراب وسرقة البلد والشعب.
خلاصة ما أريد أن أقوله هو أن نتعلم من الآخرين، ذلك أن أوروبا لم تتطور وتتقدم بسبب تشبثها بالكنيسة ولا بتاريخ صراعاتهم فيما بينهم، بل اعتمدت على إنجازات مفكريهم وكتابهم وشعرائهم وفلاسفتهم وتمسكوا بانتمائهم لأوطانهم.



