بعد سقوط نظام الأسد في دمشق بتاريخ 8 كانون الأول 2024، وانتهاء حقبة طويلة من الحكم السلطوي، تطلّع معظم السوريين، وفي مقدمتهم الشعب الكوردي وقواه السياسية، إلى تأسيس دولة جديدة تقوم على احترام حقوق المواطنين، وصون خصوصيات المكوّنات الرئيسية في المجتمع السوري، عبر بناء نظام ديمقراطي لا مركزي يكون فيه الشعب مصدر السلطات، من خلال مؤسسات دستورية وديمقراطية رصينة. دولةٌ تهدف إلى حماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان حرية الرأي والتعبير، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، وإعادة إعمار بلد أنهكته سنوات طويلة من الصراع والدمار.
وقد انطلق هذا التطلّع من قناعة راسخة بأن الدولة المنشودة لا يمكن أن تُبنى على منطق الإقصاء أو الإنكار، بل على نموذج حكم رشيد يحترم التعدديّة القومية والسياسية والاجتماعية، ويقرّ بحقوق المكوّنات الرئيسية للشعب السوري، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، بما يكفل حماية تنوّعه القومي والسياسي، ولاسيما في المناطق التي اضطلع فيها بدور محوري في الدفاع عنها، وإدارتها، وإعمارها، وتطويرها على مدى أربعة عشر عاماً، فضلاً عن دوره الحاسم في محاربة أخطر تنظيم إرهابي عرفه العالم، وما قدّمه من تضحيات جسيمة في سبيل ذلك.
وفي هذا السياق، وبهذه النية السياسية، أقدمت القيادة الكوردية في سوريا على توقيع اتفاق 10 آذار 2025 مع السلطة الانتقالية السورية. ورغم أن هذا الاتفاق السياسي لم يتناول جميع التفاصيل الإجرائية والتنفيذية، إلا أنه أسّس لمبدء جوهري واضح وهو الإقرار الصريح بأن المجتمع الكوردي مجتمعٌ أصيل في الدولة السورية، وأن الدولة تضمن حقه في المواطنة وكامل حقوقه الدستورية.
كما تضمّن الاتفاق جملة من النقاط الأخرى المتصلة بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية الجديدة، بما في ذلك المعابر الحدودية، والمطارات، وحقول النفط والغاز، وغيرها من الملفات الأساسية المرتبطة بوحدة الدولة وإدارة مواردها السيادية.
غير أنّه، وعلى خلاف ما نصّ عليه الاتفاق، وبعد ثلاثة أيام فقط من تاريخ توقيعه، أقدمت السلطة الانتقالية السورية على نشر الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، وهو إعلان جاء مناقضاً للاتفاق، إذ خلا بصورة تامة من أي إشارة صريحة أو ضمنية إلى الحقوق الدستورية للشعب الكوردي، ولم يتناول قضيته أو مكانته الدستورية بأي صيغة، ما أوجد فجوة واضحة بين الالتزامات السياسية المعلنة وبين المسار الدستوري الذي جرى اعتماده لاحقاً.
ولا يقتصر الخلل الذي شاب الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 على تجاهله الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي فحسب، بل يمتد ليشمل إغفالاً كاملاً للحقوق الثقافية واللغوية، وللخصوصية الجغرافية والاجتماعية للمناطق الكوردية. وبالتمعّن في مواد الإعلان، يتبيّن بوضوح أن ما سُمّي بـ"سوريا الجديدة" قد أُسِّس، من حيث بنيته الدستورية، على منطق العروبة والمركزية المطلقة، لا على مبدأ التعدديّة أو اللامركزية.
ويتعزّز هذا الاستنتاج من خلال الصياغات الواردة في مواد الإعلان المتعلقة بتجريم دعوات التقسيم والانفصال، والتشديد المفرط على وحدة الأرض السورية بعبارات واسعة ومشدّدة، بما يوحي بأن النص لا يستهدف فقط المشاريع الانفصالية، بل يتجاوز ذلك ليضفي طابعاً تجريمياً على أي طرح لنموذج لا مركزي، حتى ولو كان إدارياً، يمكن أن يُطبّق ضمن إطار الدولة الواحدة، ولاسيما في المناطق الكوردية.
ومن جهة أخرى، يكشف الباب الثالث من الإعلان الدستوري، المتعلّق بنظام الحكم في المرحلة الانتقالية، عن تركيز غير مسبوق للسلطات بيد رئيس السلطة الانتقالية السورية، بما يتنافى مع الطبيعة المفترضة لأي مرحلة انتقالية. إذ يمنح الإعلان رئيس السلطة الانتقالية صلاحيات شبه مطلقة تشمل صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة ومباشرة، إلى جانب صلاحيات قضائية غير مباشرة.
فعلى المستوى التنفيذي، يتمتّع رئيس السلطة الانتقالية بسلطات شاملة منها قيادة القوات المسلحة، وإدارة شؤون الدولة، وتسمية نوابه، وتعيين الوزراء وإعفائهم من مناصبهم وقبول استقالاتهم، من دون خضوع فعلي لرقابة تشريعية حقيقية.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف جدّية إزاء مضمون الإعلان الدستوري، ولاسيما فيما يتصل بالتعيينات التشريعية والقضائية، لما قد ينطوي عليه من تقويض لمبدأ سيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية، في ظل غياب ضوابط واضحة أو آليات رقابة مستقلة. وقد رأت جهات حقوقية دولية أن تبرير الصلاحيات الاستثنائية بضرورات المرحلة الانتقالية لا يمكن أن يشكّل مسوّغاً لإضعاف الضمانات الدستورية أو لتحصين السلطة التنفيذية من المساءلة.
كما أُشير إلى أن المرحلة الانتقالية، وإن كانت قد تستدعي تدابير استثنائية مؤقتة، إلا أنّها لا يجوز أن تُدار على حساب الحقوق والحريات الأساسية، أو أن تتحوّل إلى غطاء لإعادة إنتاج نظام سلطوي جديد. فالإعلان الدستوري، بصيغته الحالية، يحمل في طيّاته خطر الانتقال من نظام استبدادي سابق إلى نظام مشابه، بدل أن يشكّل جسراً فعلياً نحو نظام ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان .
ورغم تأكيد الإعلان، من حيث المبدأ، على استقلال القضاء، إلا أنّه يفتقر إلى الآليات العملية الكفيلة بضمان هذا الاستقلال. إذ إن منح رئيس السلطة الانتقالية صلاحية تسمية جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا، من دون أي إشراف تشريعي أو مشاركة مستقلة، يُضعف قدرة القضاء على أداء دوره الرقابي، ويحدّ من إمكانيته في الفصل في النزاعات الدستورية بمعزل عن التأثيرات السياسية.
كما يمنح الإعلان رئيس السلطة الانتقالية سيطرة شبه كاملة على تشكيل السلطة التشريعية الانتقالية، حيث يعيّن بشكل مباشر ثلث أعضاء البرلمان، بينما يُختار الثلثان الآخران عبر لجنة يعيّن رئيس السلطة الانتقالية أعضاءها، الأمر الذي يُفرغ مبدأ التمثيل النيابي من مضمونه، ويحوّل البرلمان إلى امتداد للسلطة التنفيذية بدل أن يكون سلطة مستقلة عنها.
ورغم تضمّن الإعلان مواد تشير إلى حماية الحقوق والعدالة الانتقالية، كإلغاء بعض القوانين الاستثنائية، ونقض أحكام صادرة في قضايا الإرهاب، واستعادة أملاك مصادَرة، وإنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، فإن فعالية هذه التدابير تبقى محل شك في ظل غياب إشراف قضائي وتشريعي مستقل. كما أن بعض المواد، ولاسيما تلك المتعلقة بتجريم أنماط معيّنة من التعبير بصياغات فضفاضة، تثير مخاوف جدّية من إمكانية استخدامها لتقييد حرية الرأي والتعبير بذرائع سياسية.
وبذلك، يمكن القول إن الإعلان الدستوري، بصيغته المعتمدة، لم يوفّر الضمانات الكافية لتحقيق توازن حقيقي بين السلطات، ولا لتكريس استقلال القضاء، ولا لحماية الحقوق القومية والثقافية للمكوّنات السورية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، ما يثير تساؤلات جدّية حول مدى قدرته على قيادة البلاد نحو انتقال ديمقراطي فعلي، بدلاً من إعادة إنتاج المركزية والاستئثار بالسلطة تحت مسمّى المرحلة الانتقالية.
وتُعدّ المرحلة الانتقالية، في الفقه الدستوري المقارن، مرحلة سياسية وقانونية استثنائية وحاسمة، تهدف إلى نقل الدولة من نظام سلطوي أو شمولي إلى نظام ديمقراطي قائم على الشرعية الشعبية وسيادة القانون، عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة عقد اجتماعي جديد. ولا تكمن أهمية هذه المرحلة في تغيير الأشخاص أو الهياكل الشكلية فحسب، بل في تفكيك منطق الحكم السابق ومنع إعادة إنتاجه بصيغ جديدة، مع الحفاظ على الاستقرار العام ومنع الانزلاق إلى الفوضى أو الاقتتال الداخلي.
ويُشكّل التأسيس الدستوري أحد الأعمدة الجوهرية لأي مرحلة انتقالية ناجحة، إذ لا يمكن الانتقال إلى نظام ديمقراطي مستقر من دون صياغة دستور جديد يكرّس الحقوق والحريات الأساسية، ويؤسّس لفصل متوازن بين السلطات، ويعكس التعدديّة القومية والسياسية والاجتماعية، وينظّم العلاقة بين المركز والأطراف على نحو عقلاني ومتوازن، بعيداً عن منطق الهيمنة أو الإقصاء.
وفي هذا السياق، يبرز التوازن بين المركزية واللامركزية بوصفه أحد أكثر التحديات حساسية في المرحلة الانتقالية السورية. فالمطلوب ليس تكريس مركزية مطلقة تُعيد إنتاج نموذج الدولة الأمنية، ولا القفز غير المحسوب إلى تفتيت الدولة، بل اعتماد نموذج حكم رشيد يوفّق بين وحدة الدولة من جهة، واحترام الخصوصيات القومية والثقافية والجغرافية لمكوّناتها من جهة أخرى، وفي مقدمتها الشعب الكوردي. إن تجاهل هذه المعادلة، أو مواجهتها بمنطق أمني، من شأنه أن يُقوّض أهداف المرحلة الانتقالية ويعمّق الانقسامات بدل معالجتها.
ويرى فقهاء القانون الدستوري أن الخطر الأكبر الذي يهدد المراحل الانتقالية، ولاسيما تلك التي تعقب سقوط الأنظمة السلطوية، هو خطر الارتداد إلى الماضي، أي استخدام الاستثناءات الانتقالية لتبرير تركيز السلطة، وتعليق الضمانات، وإضعاف الرقابة، بما يؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج الدكتاتورية تحت مسمّيات جديدة. ومن هذا المنظور، فإن أي إطار دستوري انتقالي يوحي بالعودة إلى أنماط الحكم المركزي الصارم، أو يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة من دون ضوابط فعلية، يُعدّ خروجاً عن جوهر المرحلة الانتقالية، لا تجسيداً لها.
وعليه، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس بطول مدتها أو بشدّة الإجراءات الاستثنائية المتّخذة خلالها، بل بقدرتها على القطع النهائي مع الماضي، ووضع أسس قانونية ومؤسسية تحول دون عودة الاستبداد، وتضمن احترام حقوق المكوّنات، وتفتح أفقاً حقيقياً لبناء دولة ديمقراطية تعددية لا رجعة عنها.
وبناءً على ما تقدّم، فإن التطورات الأخيرة التي شهدت لجوء السلطة الانتقالية السورية إلى استخدام القوة العسكرية، عبر مجموعات مسلّحة غير منضبطة تابعة للجيش السوري أو مرتبطة به، ضد المناطق الكردية وضد قوات سوريا الديمقراطية، لم تكن مفاجئة أو معزولة عن السياق العام للمسار الذي انتهجته السلطة الجديدة منذ صدور الإعلان الدستوري. بل يمكن النظر إليها بوصفها امتداداً عملياً لنهج سياسي وأمني يُعيد إنتاج أدوات التعامل السابقة، ويؤكّد غلبة المقاربة العسكرية على مقاربة الحوار والشراكة الوطنية.
ومن هذا المنظور، تبدو النية السياسية الفعلية السلطة الانتقالية السورية ورئيسها متجهة نحو إنهاء الكيان الإداري والعسكري القائم في شرق سوريا، وإعادة فرض نموذج السيطرة المركزية كما كان سائداً في عهد النظام السابق، متجاهلةً أن هذه المناطق تضم إدارة محلية قائمة، وقوى عسكرية منظّمة، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية، التي تُعدّ فصيلاً سورياً نشأ في سياق الدفاع عن الأرض ومحاربة الإرهاب، لا كياناً وافداً أو معادياً للدولة.
وإذ كان الأجدر بالسلطة السورية توجيه أولوياتها نحو مواجهة التحدّيات السيادية الحقيقية، وفي مقدّمتها التوغّلات الإسرائيلية والانتهاكات الصريحة لسيادة سوريا، فإن اختيارها الدخول في مواجهة مع مكوّن وطني يمكن معالجة خلافاته عبر مسار سياسي تفاوضي، يثير تساؤلات جدّية حول طبيعة المشروع السياسي القائم.



