المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق الانتقالية تتجه نحو انفراجة في المفاضاوت بين الطرفين. حيث أن الأميركيين والفرنسيين وفي الكواليس البريطانيين من طرف والاتراك والسعودية وقطر من طرف اخر يضغطون بشكل سريع وقوي لتنفيذ اتفاق الثامن من آذار الذي وقعه مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية وأحمد الشرع رئيس الحكومة الانتقالية السورية.
بمعنى انه سيتم التوصل إلى آليات ومخرجات نهائية ترتب العلاقة بين المركز و الإدارة الذاتية على الصعيد العسكري والأمني. أما الجانب السياسي والثقافي والاجتماعي متروك للوفد الكوردي المشترك الذي يضم جميع التيارات والأحزاب السياسية الكوردية للتفاوض فيما بعد مع حكومة دمشق الانتقالية.
من خلال المتابعة المستمرة للاداء السياسي الجمعي للكورد ووعيهم الحالي بالقضية الكوردية في كوردستان سوريا (شمال وشرق سوريا). يمكن استنباط وادراك انها مرحلة حساسة ودقيقة في التاريخ السياسي الكوردي من الاتزان والاكتمال، حيث تحول الكورد من مربع رد الفعل العاطفي إلى منطق الفعل الاستراتيجي المنظم والمتزن. هذا التغيير الجذري والاساسي يستند في جوهره إلى تجربة اقليم كوردستان العراق كمختبر تجارب في السياسة والدفاع عن النفس والذي أيضاً قدم على مدار ثلاثة عقود خلاصات غنية في فن التفاوض مع الأنظمة التي كانت ابرز صفاتها كانت الشمولية وأحادية القرار.
إن القراءة الواعية والمتأنية لهذا التداخل الجيوسياسي الخفي تؤكد أن الكورد في سوريا لم يعودوا ينظرون إلى تجربتهم على أنهم في جزيرة معزولة لوحدهم، بل انهم جزء من صيرورة قومية تراكمت خبراتها ويجب استغلالها والاستفادة منها.
المثال الواضح والجلي هو المفاوضات الطويلة بين أربيل وبغداد منذ 2005 إلى الآن حول الدستور، والموازنة، والسيادة، الذي تحول إلى "خارطة طريق" غير معلنة يستلهم منها الكورد في سوريا أدواتهم السياسية والفكرية للتعامل مع حكومة دمشق الانتقالية.
إن دور اقليم كوردستان متمثلة بقيادة فطنة ومتمرسة في هذا التغيير يتجاوز الدعم اللوجستي ليصل إلى "نقل المعرفة السياسية" الى جزء آخر من كوردستان، الذي يخوض مرحلة مخاض في كسب الحقوق على جميع الأصعدة.
علاوة على ذلك أدرك الوعي الجمعي في كوردستان سوريا أن الحقوق لا تُنتزع فقط في ميادين القتال، بل تُثبّت كبنود وكصياغات قانونية ودستورية.
والكورد في كوردستان سوريا على مختلف مشاربهم السياسية والفكرية تعلموا من تجربة إقليم كوردستان أن "النوايا الحسنة" مع المركز لا تبني مستقبلاً ولا تضمن حقوقاً وان الضامن الوحيد هو النصوص الدستورية المحصنة والضمانات الدولية. لذا، نجد اليوم منحى في كوردستان سوريا نحو مأسسة الإدارة ولو بشكل خجول، والبحث عن صيغ قانونية جديدة للمواطنة والشراكة تتجاوز وتفوق المفهوم التقليدي للامركزية السياسية السورية، مستفيدين من تعثرات ونجاحات جنوب كوردستان في صياغة قوانين النفط والغاز وإدارة الدولة والدستور العراقي لعام 2005.
في هذا السياق، تظهر أهمية بقاء الخطاب السياسي الكوردي موحداً كشرط أساسي لنجاح أي تفاوض مع حكومة دمشق الانتقالية؛ فالتجربة العراقية أثبتت أن الانقسام الداخلي كان دائماً الثغرة التي تنفذ منها بغداد لتقليص الصلاحيات الدستورية والقانونية للإقليم. وبناءً عليه، الوعي الجمعي للكورد في سوريا قد تشكل وهو يضغط باتجاه التوافق بين القوى السياسية الكوردية المختلفة للدخول بوفد مفاوض واحد يحمل "رؤية وطنية كوردية" شاملة أساسها لامركزية سياسية واجتماعية في إطار سوريا موحدة. وإن الهدف النهائي لهذا الوعي الجديد هو الوصول إلى صيغة حكم تضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة، بعيداً عن صراعات "كسر العظم"، وبما يضمن تحويل كوردستان سوريا إلى نموذج للامركزية الناجحة التي تخدم وحدة سوريا واستقرار المنطقة برمتها، تماماً كما أصبحت أربيل مركزاً للاستقرار والتنمية في عراقٍ متأزم وغير مستقر.



